خواطري

ولا تزال تطوف

وانتُزِعَت النساء من على الأجساد المُقطّعة، وارتدى الموكب رداء الحُزن والذل، ومارس الليل عنجهيته ليُرعب ما تبقّى من اطمئنانٍ في قلوب موكب السبايا، لأنّه كما تقرر، هذا الموكب يصل إلى قصر (يزيد) بكل وحشية ..! والجموع في الشام تهتف وترقص وتُعربد قائلةً أن الأمير يزيد انتصر على الخوارج!.

صفعةٌ تلوَ الأخرى، يتلقّاها وجه طفلة تبحث والدها .. وكلّ ما تبقّى فيها هوَ دمعٌ يتناثر هُنا وهُناك، والسياط تلعب في ميدان مليء بالأطفال، فقط لتُرعبهم وتحاول قتلهم، لم تكن الطرقات فارغة، بل كانت مليئة بموزعي الحلوى والابتسامات، إلا أنّ هيبة (مُحمّد بن عبدالله) كانت تُخرسهم تُرعبهم، تصنع منهم رماداً لا وجود له، إنّهم ممزّقين مذهولين والسحاب يغطي الجريمة بكل هدوء .. وها هيَ قافلة (زينب) تنقش الأسى في أضلاع الحياة، تعرّي الطُغيان وتُهشّم قناعه المُزيّف، والشمس هاربةٌ تتوارى خلف بُكائها، وتجتر معها جيش من أشعة الشمس الدافئة، لغة الشجن تتوالد في الأفواه، وصرخات الآه تنطلق من الصدور لا من الحناجر، والحكاية مؤلمةٌ جداً، فكلّ من كان في الطريق صاح .. عقيلة بني هاشم زينب مرّت من هُنا! .. آه.

خربة الشام أما تخجلين؟ طفلة طلبت شربة ماء فصُفِعَت، طلبت والدها .. فأهديت رأساً حُزّ من الوريد، مقروع الشفاه بالقضيب، يقطر دماً ويرتّل (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، أما تخجلين أن طفلة ماتت في أحضانك فوق رأس أبيها!.

الجموع تتسوّل حرفاً واحداً من قافلة دخلت مجلس الباغي (يزيد)، حرفٌ واحد يدمّر الغموض الذي اكتساهم، حرفٌ واحد يطلق تنّيناً يفحُ نيراناً تحرق كل طُغيان عشعش في صدور البشر!، حرفٌ يُنطق ليبقى مُعلّقاً أبد الدهور، لأنّه يخرج ليعيد تشكيل الحياة التي صُبغَت بدماء (الحُسين) ليُفهم الكون أن المُعادلة صحيحة، لكنّ العقول لم تعد تعي فنشوة الانتصار على خوارج العصر -كما أشاع يزيد- لا تزال تُسكرهم، وكل ما احتاجته هذه الأبدان السقيمة هوَ دواء من حرف يُفرغُ عن “أهل بيتٍ زُقّوا العلمَ زقاً” يتكاثر في قلوبهم لأنّ ناطقه امتلك “العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين” وفجّر القلوب بصبره، ودمّر جدران الجهل، وانبرى لعصر الظلام بكلماتٍ نورانية ملأت الخافقين، كيف لا وهوَ (علي بن الحُسين).

وتحرّكت القافلة،
والأميرة (زينب) تجمع أيتام رسول الله (صلى الله عليه وآله)..
أهكذا يُصنع ببيت الرسالة؟
ولا تزال تطوف في مُختلف العقول والقلوب، إنها القافلة الأكثر تأثيراً في العالم ..

خواطري, مُنَوّعَة

مُفجّر الثورة .. !

لم أقرأ في التاريخ الإسلامي عن شخصية غذّت الإسلام بطاقة هائلة من التوعية الروحية والأخلاقية كما شاهدت في حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فعلى الرغم من الضغوطات السياسية في عصرة والانحلال الفكري الذي حصل، تمكن سيّد الساجدين (عليه السلام) من إعادة ترميم الإنسان في ظلّ تلك الظروف، وأعاد الهيبة للعلم والأخلاق بعد أن تدمّرت في واقعة كربلاء هذه المعركة الخالدة في عالم الأحزان، وترك لنا أحد أعظم الأسفار في تاريخ البشرية [الصحيفة السجّادية] زبور آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، ولمن لم يقرأ هذه الصحيفة فإني أدعوه للقراءة من (هُنا) لأنّ هذا الكتاب يُعتبر منهج مُتكامل للحياة، ولمن يرغب بالشرح فمن (هُنا).

تمكن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (روحي فداه) من توعية الجماهير الإسلامية، ولم يثنيه مرضه، فهوَ أحد ركائز ثورة والده (الإمام الحسين عليه السلام) فكان امتداداً حقيقياً واعياً لأهداف الإمام الحسين (عليه السلام)، وعبر ثورته المُستمّرة التي أعلنها ضد الطُغيان ببُكائه ودُعائه الذي فجّر النفوس البشرية ضد العبودية للمخلوق، أخرج المُجتمع من المستنقع الآسن الذي غاص فيه، إلى شيء من الحريّة، أطلق خُطبته العُظمى قبالة طاغية عصره (يزيد) في مجلسه بلا خوف أو تردد، كيف لا وهوَ حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رمّم ما يُسمّى بالإنسان، وبدأت رحلته العظيمة في صنع جيل يحمل على أكتافه الثقافة الإسلامية الأصيلة، ودكّ عروش الشيطان عبر حروفه وأنينه الذي تحنّ إليه الأرض، فكانت كلماته تغوص في النفس البشرية لتعيد لها لمعانها “مَوْلايَ يا مَوْلايَ، أَنْتَ الْمَوْلَى، وَأَنَا الْعَبْدُ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْعَبْدَ إلاَّ الْمَوْلى”، غرسها في عقل كلّ من قابله، فكان الرَفض المُطلق لاستعباد البشر، وخضوع الجميع لرحمة الله عزّ وجل، وأرسى قواعد الحُب في القلوب والعقول ” إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ، فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟”، هل نبحث عن المزيد؟ سنجد الكثير والكثير .. فقط علينا البحث.

وفي حضوره الحزين، أنسى اللغات، وتضيع من بين يدي القواميس، وتهرب أبجدية المشاعر، فلا حُزنٌ يتمكن من الصمود أمام حُزنه، كيف لا وهو خامس البكّائين، أساطين الأسى سجدت على أعتابه، ليلاً نهاراً باكياً مُنتحباً، لم يدخّر شيئاً من أشجانه، صرف أنفاسه في ذكر الله والبُكاء على مجزرة الحُزن، فدمعته المسكوبة، لا تزال منارةً لكلّ الثوّار، في شتّى المجالات، نعم هو من كان الجهاد غرامه، فكانت الجامعة -القيد الذي يجمع اليدين بالرأس- تحزّ نحره ببطء وبهدوء، وكانت الشام تحتفل!، وأطلق تلك الكلمة الخالدة (أنا ابن محمّد المصطفى)

وكلّ ما تبقّى لدي هوَ تساؤل، لماذا هُدّم قبر من أعطى للإسلام حياةً بعد مرحلة اغتياله الفاشلة؟.

××

عظّم الله لكم الأجر جميعاً في ذكرى استشهاد الإمام زين العابدين عليه السلام