أفكاري

لن يُروى ..

لن يُروى هذا العطش، ولا تملّ هذه الأبدان، هيَ مُشتاقة ومُستعدة للفناء في خِدمة الإمام الحُسين (عليه السلام)، هُم مُخلصين بشكلٍ لا يُمكنني وصفه، هُم مجانين –عُقلاء- تجدونهم منذ اللحظة الأولى يقارعون الوقت لإقامة أفضل مأتم عزاء، منذ الليلة البِكر، تلك التي ترفع هلال الموت على صدرها، منذ تلك اللحظة ترى الحُزن وهوَ يتمثّل في هيئة بشر، تراهم عُطاشى وما هُم بعُطاشى، هُم يشتاقون للتقرّب من الحُسين (عليه السلام).

خُدّام الإمام الحُسين (عليه السلام) هُم أنتم، جميعاً، من يحضر المجالس، من يُساهم بكلمة لإحياء الشعائر، من يشجّع الآخرين على صُنع شيء لأجل الإمام الحُسين (عليه السلام) أن تتنفّس وأنت مكروب لأجل اسم الحُسين، أنتَ بشكلٍ ما خادم من خُدّام هذا الاسم المقدّس، لا تتهرّب من هذه الخدمة العظيمة، فالأيّام تمضي والعُمر ينقضي، ولا تعود بنا عجلة الحياة أبداً، في كُل لحظة نشعر بالتقصير فيها علينا بذل المزيد، هل تعرف شخص يمتلك مهارة في أمرٍ ما؟ أخبره بأنّه مُهم ويُمكنه الخدمة عبر هذه المهارة، ولا أخصّ هُنا الفنون المُختلفة بل وحتّى الأطبّاء يُمكنهم الخدمة، المهندسين يُمكنهم هذا الأمر كذلك، والإداريين المتخصصين يُمكنهم أيضاً خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) وتطوير المجالس الحُسينية لتكون أكثر تقدّماً وعطاءً.

كُل شخصٍ مسؤول، أنتَ مسؤول عن الخِدمة، لأنّك إنسان تُصلّي وهذه الصلاة العَظيمة أنقذها الحُسين (عليه السلام) من الهلاك على أيدي الطُغاة، وفي كُل صلاة أنتَ مدين لدمه الطاهر، هذه الخدمة رسالة وصلتنا منذ مئات السنين، ونحن مسؤولين بشكلٍ مباشر، دون رميها على الخُطباء أو الرواديد أو الشعراء أو … الخ، هؤلاء جُزء من الرسالة، نحن من يصنعهم، نحن من يُخبرهم بأننا ندعم إبداعاتكم، هذه المسؤولية ثقيلة، خطيرة.

  • أين كُنت؟
  • جنب النهر.
  • ..
  • شججت رأسي.

لا يوجد لون مُحدد من ألوان الخِدمة، أخذك طفلك إلى المجالس الحُسينية وتعليمه ممارسة شعائر حُسينية مثل اللطم والبُكاء والتطبير وغيرها من أشكال الجزع على سيّد الشهداء (عليه السلام) هوَ خدمة مُهمّة للأجيال القادمة، هُم حملة الرسالة التي ستصل إلى المستقبل، فتفكّر ماذا سترسل معه؟ خِدمة وعطاء، أم جفاء؟ وتذكّر .. إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد ابداً”. وهذه الحرارة تتقّد في القلوب بممارسة الشعائر الحسينية والخدمة العظيمة.

أعمالي

ونشتاق مُحرّم

الاشتياق لشهر مُحرّم الحرام يتجلّى كُلياً في يوم عاشوراء حيث تكون مراسم الجزع في أعلى مستوى مُمكن –وهي قليلة- فتُسمع صرخات الباكين، وتُرى الأبدان مُغبرّة، والأقدام بلا نِعال، ترى الجزع مرسوم على الرؤوس، بل حتّى السماء تتكدّر، هذا الاشتياق لشهر الجزع فطري جداً، فمن يرى بعين البصيرة قميص الحُسين منشور وقد اضطربت السماوات لهذا المنظر الفجيع لابُد وأنّ كيانه المنضبط يرتبك، واقترابه من القميص بهذا المقدار يُشعل الاشتياق لكل مظاهر الاقتراب من الحُسين (عليه السلام) ولو كان هذا الاقتراب لا يمثّل سوى خطوة في مُحيط.

هذا الاشتياق المليء بما يُسمّى جنون –أسمّيه تعقّل بالمناسبة- المليء بأبيات الرثاء التي كتبها الشُعراء، المليء بأصوات الرواديد الذين حاولوا على مدى أشهر أن يسجّلوا اسماً من أسمائهم أو لقباً من ألقابهم في دفتر حبيب بن مظاهر الأسدي، هذا الاشتياق المحموم بالبقاء بالقرب من مجالس يُذكر فيها اسم الحبيب الذي أقرح مصابه جفون المعصومين (صلوات الله عليهم).

  • إلى أين؟
  • حيث ألتقي بكُليَ في كربلاء.
  • مُبعثرٌ أنت!
  • في أكثر من زمانٍ ومكان أجدني.
  • كيف تجتمع بنفسك إذن؟
  • بالحُسين (عليه السلام).

أينَ العجب في أن نَجزع على من أحبّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ الغريب هوَ ألا تتحرّك مشاعرك اتجاه هذا المُصاب، فريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخر الأسباط، آخر ابن بنت نبي على وجه  الأرض، المُصيبة أن تجف منابع الدموع عندك ولا تشعر برغبة بالبُكاء على سيّد الشُهداء (عليه السلام)، الكارثة أن تتوقّف عن الشعور بالجزع اتجاه مصرع الإمام (صلوات الله عليه).

في هذه الليلة يُنشر ذلك القميص المُمزّق المليء بالدماء الزاكية، في هذه الليلة ينطلق موكب النور لتبدأ رحلة العزاء العُظمى، كُن هُناك وانظر، لا تتخلّف فالأمر مُختلف في كُل عام، فالجراح التي تُدركها مُختلفة، احمل في قلبك الإيمان ليكن دليلك ناحية الحُسين (عليه السلام)، وليكن الإخلاص طريقك الذي تسلكه، واجتهد للحصول على دمعة، طبرة، بُكاء، خِدمة، .. اجتهد فكُل من يعمل مثقال ذرّة خيراً يره.

××

لولا (…..) لقَتل بعض العشّاق أنفسهم في مراسم إحياء ليالي عاشوراء اشتياقاً لرؤية الإمام الحُسين (عليه السلام).

أفكاري

التطبير شعيرة زينبية، لا عادة وثنية!

يحاول البعض تسقيط شعائر الإمام الحُسين (عليه السلام)، بأي شكل من الأشكال وفي كُل مرّة يحاول شخص من هؤلاء صنع شيء، نرى زيادة مفرطة في ممارسة الشعيرة المُستهدفة، فعلى سبيل المثال، حارب البعض البُكاء والعويل والجزع، فعادت لحظات البُكاء والجزع في مواكب اللطم وبقوّة، وحارب البعض مجالس البُكاء وحاولوا فرض المجالس الفِكرية بديلاً، مُتناسين الجانب العاطفي الكبير في قضيّة الحُسين (عليه السلام)، لا ضرر من الدمج، ولكن قمّة الضرر تجاهل الجانب العاطفي الذي ينفجر في يوم عاشوراء، فبتجاهل هذا الجانب؛ يحصل جفاف عاطفي حقيقي لدى الإنسانية، فالإمام الحُسين (عليه السلام) قدّم لمحات عاطفية فكرية ذات قيمة عُظمى، لا يُمكن تجاهلها أبداً، وبعد اعلانهم الحرب ضد المجالس شاهدناها وهي تنتشر في كُل مكان، وفي كُل حين، حقيقةً الشعائر الحُسينية في كُل عام نُشاهد فيها مصداق لكلمة سيّدة الشعائر الحسينية الحقّة، سيّدتنا زينب بنت علي (عليها السلام):

“وليجهدنَّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد إلا ظهوراً وأمره إلا علواً”
كامل الزيارات/ ص263

في كُل عام يأتي إلينا شهر مُحرّم الحرام مُحمّلاً بالكثير من التساؤلات حول الماضي والمستقبل، في كُل عام تُطلّ علينا مجموعة لا بأس بها من محاربين الشعائر الحسينية، مُتناسين الكم الهائل من الفتاوي التي تُجيز العمل بكُل ما هوَ متعارف عليه من شعائر حُسينية، بل ذهب بعض العُلماء الأعلام إلى استحباب الأمر حتّى وإن زُهقت روح الممارس للشعيرة في ساعتها!، واجتهد هذا الفريق كثيراً حتّى تمادى في هذا العام مُحارباً شعيرة التطبير بشكل علني، بعد أن كان يُمارس الحرب بشكل خفيّ، وأطلقوا أبشع الأوصاف عن المُطبّرين!، بعضهم يستشهدون بكلمة من يُريد أن يضع رؤوس المطبرين في (البالوعة)، وبعضهم الآخر يُحتّم علينا الاستماع لفتوى مرجعيته! وكأننا لا نمتلك مرجعاً يُحلل لنا هذه الشعيرة، بل ويشجّعنا على ممارستها في كُل عام.

والعجيب في هذا العام أنّ أئمة الكُفر وأشياع الضلال هذا العام نشروا مقطعاً يقول بأنّ التطبير (عادة) وأنّها (وثنية)، إن القائم على هذا الفيديو تناسى مُرسلة مُسلم الجصّاص في هذا الأمر، التي وثّقها العلامّة المجلسي في بحار الأنوار قائلاً بأنّه وجدها في الكُتب المعتبرة، ويقتطع منها الكثير من الخُطباء رواية (الصدقة علينا حرام) التي قالتها أم كلثوم لأهل الكوفة، ولكنّ بعضهم يهرب من بقيّة الرواية التي تقول فيها مولاتي السيّدة زينب (عليها السلام) بعد أن نطحت جبينها المقدّس في مقدّمة المحمل:

يا هلالاً لما استتم كمالا
غاله خسفه فأبدا غُروبا
ما توهّمت يا شقيق فؤادي
كان هذا مقدراً مكتوباً

ولم يُحقق القائم على الفيديو عن أسباب رأي العُلماء العِظام والجواز من أيّ مكان جاء، ولماذا يكون، فضرب آراء الجميع بعرض الحائط، مُتّبعاً أسلوب (نِعاج .. بأي عصر .. أدفنهم ببلوعة) في الهجوم على الشعائر بشكل مثير للسخرية.

في هذا العام وفي يوم العاشر من شهر مُحرّم الحرام إن بقينا أحياء بفضلٍ من الله، سنشارك في شعيرة #التطبير_المقدس مواسين صاحب (لأبكين عليكَ بدل الدموع دماً)، منادين (حَيدر) .. (حُسين) .. (زينب)، ستكرّر المُعادلة، وستزداد الأعداد بشكل مُختلف هذه المرّة، وسيشعر بقمّة الجزّع مجموعة أكبر، وسيشاهدون شيء لم يشاهده من يشارك في شعيرة التطبير.

لأننا نعلم كُل العِلم واليقين بأنّ #التطبير_شعيرة_زينبية لا عادة وثنية!، ونعلم كُل العِلم واليقين بأنّ الشعائر باقية #ويبقى_الحُسين (عليه السلام).

كُتب مُفيدة جداً في سياق الموضوع

كتاب (الشعائر الحُسينية) – للشهيد الآية السيّد حسن الشيرازي (PDF)
كتاب (فتاوي العلماء الأعلام في تشجيع الشعائر الحسينية) – تجميع مُهم لفتاوي العُلماء الأعلام (PDF)
فصل (شعيرة الجزع) من كتاب (المصيبة الراتبة) للدكتور الشيخ محمد جمعة (PDF)

أفكاري

ويبقى الحسين (عليه السلام)

اقترب شهر الحُزن، يحمل بيده قميصاً مُلطخاً بالدماء، لينشره في السماء القديمة، في لحظات الاشتياق اليومية، قبيل هبوط شمسها تنطلق الدماء لتلوّن الفضاء، لترتوي الأرض بدمعات مميّزة جداً، هيَ دمعات تُسكب من أجل الحُسين بن علي (عليه السلام)، ولا شيء سواه، في كلّ عام مع اقتراب شهر المُحرّم، يُذاب اللباس الأسود فوق الأبدان، وتُصهر الأفراح لتُخبّأ، وتبدأ مواكب المشاهد الكربلائية بالمرور في عقولنا، فنُشاهد طفلة تهرب بعد أن حُرّقت الخيام، وتطايرت ذرّات الرمال لتغطّي أرجل الخيل، ونتوقّف عن المشاهدة، لنجزع بُكاءً.

قبل وصول الشهر المُفجع إلينا، هوَ يرسلنا لتطهير ذواتنا، يرسلنا إلى حجّ بيت الله الحرام، لنستذكر الذبيح هُناك، نطوف الكعبة سبعة أشواط، بخطوات مليئة بالدعوات، ونسعى بين الصفا والمروة، وهُناك نبحث عن ماء زمزم، لنسقي أيتام رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين صرخوا في العام الواحد والستين من الهجرة في يوم عاشوراء:

           – العطش العطش العطش ..

ونبحث في عرفات عن ثائر غاب عنّا، مُصلح أطلنا الابتعاد عنه، علّنا نحظى بنظرة منه فنتقوّى لإحياء ليالي الأسى في مُحرّم الحرام، فكُل من يُحيي هذه الليالي يعلم، بأنّه يجب أن يبقى مُستيقظ بعد أن ينام البقيّة، ويجب عليه أن يصنع شيء، عندما يفكّر الكُل بالهرب، هوَ عامٌ متكامل، وبرنامج عظيم يتوفّر في كلّ عام، لنصل إلى عاشوراء لنفهم، لنتمكن من الدخول إلى بوابة التاريخ بكل نقاء، عندها سنتفجر الرؤوس دماً، وتُحنّى الصدور بالأوسمة، وتغرق العيون ذكريات.

في هذا العام انطلقت حملة –ويبقى الحسين (عليه السلام)– العالمية، لتوثّق وتُساهم في تشجيع الجميع للمساهمة في خدمة الدين الاسلامي القويم، عبر سفينة الحُسين (عليه السلام)، فكُل إنسانٍ في هذا العالم مدين لهذا الإمام العظيم، فلولاه لما ارتفع الأذان وأقيمت الصلاة، ولولاه لما عرفت هذه الأرض .. الحُب.

ويبقى الحُسين (عليه السلام) يأتي في كل عام في يوم عاشوراء، محزوز الوريد، مُكسّر الأضلاع، مبتور الخنصر، مُشجّر صدره بالسهام، ويحمل بيده المُجرّحة طفلٌ نبت في عُنقه سهم.

دقيقتين إن سمحت لي ..

قبل عامين انطلقت بتسجيل حلقات بودكاست (يُمكنكم الاستماع لها من هُنا) وخصوصاً في شهر محرّم الحرام، فما هيَ آراؤكم؟ هل لديكم مُلاحظات حول الحلقات؟ هل لديكم اقتراحات؟ حضّرت بعض الأمور، ولكنّي أبحث عن رأيكم، يُمكنكم كتابته هُنا في التعليقات أو عبر البريد الإلكتروني من (هُنا).