أعمالي

ونشتاق مُحرّم

الاشتياق لشهر مُحرّم الحرام يتجلّى كُلياً في يوم عاشوراء حيث تكون مراسم الجزع في أعلى مستوى مُمكن –وهي قليلة- فتُسمع صرخات الباكين، وتُرى الأبدان مُغبرّة، والأقدام بلا نِعال، ترى الجزع مرسوم على الرؤوس، بل حتّى السماء تتكدّر، هذا الاشتياق لشهر الجزع فطري جداً، فمن يرى بعين البصيرة قميص الحُسين منشور وقد اضطربت السماوات لهذا المنظر الفجيع لابُد وأنّ كيانه المنضبط يرتبك، واقترابه من القميص بهذا المقدار يُشعل الاشتياق لكل مظاهر الاقتراب من الحُسين (عليه السلام) ولو كان هذا الاقتراب لا يمثّل سوى خطوة في مُحيط.

هذا الاشتياق المليء بما يُسمّى جنون –أسمّيه تعقّل بالمناسبة- المليء بأبيات الرثاء التي كتبها الشُعراء، المليء بأصوات الرواديد الذين حاولوا على مدى أشهر أن يسجّلوا اسماً من أسمائهم أو لقباً من ألقابهم في دفتر حبيب بن مظاهر الأسدي، هذا الاشتياق المحموم بالبقاء بالقرب من مجالس يُذكر فيها اسم الحبيب الذي أقرح مصابه جفون المعصومين (صلوات الله عليهم).

  • إلى أين؟
  • حيث ألتقي بكُليَ في كربلاء.
  • مُبعثرٌ أنت!
  • في أكثر من زمانٍ ومكان أجدني.
  • كيف تجتمع بنفسك إذن؟
  • بالحُسين (عليه السلام).

أينَ العجب في أن نَجزع على من أحبّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ الغريب هوَ ألا تتحرّك مشاعرك اتجاه هذا المُصاب، فريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخر الأسباط، آخر ابن بنت نبي على وجه  الأرض، المُصيبة أن تجف منابع الدموع عندك ولا تشعر برغبة بالبُكاء على سيّد الشُهداء (عليه السلام)، الكارثة أن تتوقّف عن الشعور بالجزع اتجاه مصرع الإمام (صلوات الله عليه).

في هذه الليلة يُنشر ذلك القميص المُمزّق المليء بالدماء الزاكية، في هذه الليلة ينطلق موكب النور لتبدأ رحلة العزاء العُظمى، كُن هُناك وانظر، لا تتخلّف فالأمر مُختلف في كُل عام، فالجراح التي تُدركها مُختلفة، احمل في قلبك الإيمان ليكن دليلك ناحية الحُسين (عليه السلام)، وليكن الإخلاص طريقك الذي تسلكه، واجتهد للحصول على دمعة، طبرة، بُكاء، خِدمة، .. اجتهد فكُل من يعمل مثقال ذرّة خيراً يره.

××

لولا (…..) لقَتل بعض العشّاق أنفسهم في مراسم إحياء ليالي عاشوراء اشتياقاً لرؤية الإمام الحُسين (عليه السلام).

أعمالي, أفكاري

في الشهر الحزين .. كانت تساؤلات

شهر مُحرّم الحرام هذا العام كان مُختلفاً معي، ففيه اكتشفت معادن بعض الأصدقاء، واكتشفت قدرة بعضهم الآخر على التضحيّة بأوقاتهم وأفكارهم في سبيل إعلاء راية الإسلام، فقرأت رسائل الصديق “عبداللطيف خالدي” التي أبدع فيها بطريقة عرضه وحواره مع كربلاء، وقرأت رسائل المبدع “أحمد فيصل” الذي استلهم من الطّف المعاني وقدّمها على طبق من ذهب لنا جميعاً، وحاولت أيضاً أن أقدّم شيئاً بسيطاً في هذه الأيّام المليئة بالزخم الفكري والعاطفي، وكانت المحاولة عبارة عن تسجيل صوتي لرسائل بسيطة سريعة وقدّمتُ تسعة حلقات، وقد تكون هذه المحاولة فاشلة أو فيها من الأخطاء ما فيها، فأرجو من الله المغفرة ومنكم المُسامحة والتصويب، علماً بأنّ الحلقات عُرضت في مُدوّنتي الصوتية (بن مكي).

وخلال شهر محرّم غزت التساؤلات عقلي، هل فعلاً أنا جرّبت الخدمة الحُسينية أم أن ما حصل معي ومع الشباب من مؤسسة شباب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في حسينية عاشور كان مُجرّد عبث؟ وهل فعلاً نمتلك فريق عمل يمكنه إدارة مركز معيّن؟ هل فعلاً نحنُ مجموعة مبدعة تضيف معايير جديدة للطاقات الشبابية في المراكز الرسالية؟ أم إننا مُجرّد مجموعة شبابية اجتمعت وستفترق في يومٍ ما؟ وتنظيم الوقت -الموضوع الأصعب في العمل الجماعي- هل هوَ الحل للتأخير الذي يحصل في مُختلف التجارب الشبابية؟ ولماذا هُناك بعض الشباب يقاتلون من أجل البقاء في هذا الوسط، والبعض الآخر يقاتل من أجل الخروج من هذا الوسط والبقاء في الشوارع والتسكّع؟ وسحب البقيّة إلى خارج هذا الوسط؟ لماذا يمتلك شخص ما الإحساس بأنّه عنصر مُهم جداً في محيط العمل الشبابي وعنصر آخر يشعر بأنّه لا شيء؟ هل كلّ هذه الأمور ترتكز على قوّة القيادة؟ وهل الخدمة هي المعيار لمعرفة -المُجتهد والمُتكاسل-؟ أم إنها مُجرّد طرف من أطراف تشكيل المجموعات القويّة المتعاونة؟، ولماذا هُناك من يُحارب الشباب وتجاربهم ومُحاولاتهم، ويحاول تقويض كلّ من يحاول أن يضيف شيء لهذا المجال، حتّى وإن كانت إضافة هذا الشخص يمكن أن ندخلها في مجال الحشد الإعلامي لقضيّة ما؟ وغيرها من التساؤلات التي تُهاجمني في كلّ حين.

في تلك الأثناء ومن بين كلّ الأسئلة المُخيفة التي تُهاجمني، أجد لحظة صدق واحدة بين كلّ لحظات الشك، أشاهد ذلك الإنسان المتفاني في خدمة ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبر مُختلف الوسائل، فهُناك من يسقي الماء لأجل حُب الحسين (عليه السلام) وهناك من يكتب حرفاً بسم دم الحُسين (عليه السلام) وهُناك من يقف مكتوف الأيدي، لكنّه يضع أفكاراً ويخطط ورسم خريطة طريق للوصول بالعمل إلى نقطة يتمكن فيها جيلٌ جديد من استلام هذا العمل بشكل مميّز، إنها الحياة يا رفاق، وليست مُجرّد خدمات، فهناك من يدير الصدامات التي تحصل في لحظة ما، ويحاول التخفيف من وطأتها، ويحاول صنع الأمل في قلوب رفاقه.

نعم آمنت بأنّ الأوضاع السلبية إذا ما تمّ مُعالجتها بطريقة مميّزة، يحصل بعدها انفجار طاقات، ولو كان محدود الساعات والأيّام إلا أنّ أثره يكون جبّاراً، ويستمد القوّة من الشخوص وقدرتهم على إدارة هذا النجاح الذي حصدوه، فلا يكون سبباً في فشلهم الرهيب بعد نجاحهم.

وأسأل الله لي ولكم جميعاً، الإخلاص فيما نصنع.

أعمالي, خواطري

رسائل عاشوراء [صوت]

ما إن يُنشر قميص الحُسين (عليه السلام) فوق الرؤوس، حتّى يجتاحنا الحُزن، ويقاتلنا الألم، وتفوح رائحة الدم لتطغى وتتجبّر وتُعلن اقتراب ذكرى مقتل سبط رسول الرحمة والإنسانية (صل الله عليه وآله)، وتُنثر الدموع لتحتل جميع العيون، وتكتسح الأرض لتَزرع ذكريات الشجن من جديد!.

كلّ النوارس حملت وطناً من (حُسين) لتودعه في قلب كلّ إنسان، فمنهم من اكتشف السّر المودع في قلبه، ومنهم من أقفل على قلبه بحثاً عن مجد في عالم الموتى!، والأحياء أصبحوا يتقنون فنّ الانتظار والأمل، وأصبحوا يسبحون بين الحكايا والطرقات، يبحثون فيها عن (دمعة) تاهت منذ زمن (ماذا على من شمّ تُربة أحمدٍ) يبحثون بلا كللٍ أو تعب، إنهم من تمرّ عليهم آية (ونُريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا) فتطمئن صدروهم، فلا ضجيج يحرّكهم سوى صرخة (ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحُسين -عليه السلام- قُتِل عطشاناً)، فتراهم حاملي حياتهم على كفوفهم، يهدونها لثأر الله .. لسيّدهم وإمامهم.

رائحة الفَجر مُختلفة، فمفترق طُرقٍ أنت!، اختيارك مَصيرك، في مُعسكر الحق؟ أم مُعسكر الباطل؟ إنها اختياراتك، لا تَكن ممن يختلق الأعذار للهروب، فهروبك يقودك للنهاية، فالكُل مُتجهٌ إلى ذات النقطة.

××

هذا العام تواصلي معكم في شهر مُحرّم الحرام سيكون قليلاً من ناحية المقالات، إلا إن أسعفني الوقت -بسبب عملي في حسينية عاشور مع فريق مؤسسة شباب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولكن .. سأتواصل معكم عبرَ (رسائل عاشوراء – الصوتية) وهيَ سلسلة مكوّنة من عشرة حلقات ستُعرض يومياً في تمام الساعة الثانية ظهراً بتوقيت الكويت، ولن تكون الحلقة طويلة فهي ما بين الـ خمسة دقائق والـ عشرة دقائق، وستجدونها عبر مُدوّنتي الصوتية (بن مكي).

××

عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد الإمام الحُسين بن علي (عليه السلام)

خواطري

وسمعت النداء

دقّت أجراس الحُزن، وقُرعت أبواب البُكاء، والسماء سترعد وتغرس في ضلوع الأرض دماً رُفِعَ إلى السماء، لتمتلئ الثقوب، وتثور البحار بما فيها، وينحب (البوم) الوفيّ، وننادي جميعاً ذلك النداء المُقدّس .. (لبيكَ يا حُسين).

قبل أعوام، انطلقت باحثاً ومُتسائلاً، ومنذ تلك اللحظة وجدت لذّة لا مثيل لها، إنها لذّة البحث عن الحقيقة، لم أكن أفقه كم هيَ ثمينة اللحظات التي نقضيها دون أن نصنع شيء، إنها لحظات التأمل والتفكير، إنها اللحظات التي نُشاهد فيها كلّ ما لا يُرى!، هُناك في تلك الثواني المجنونة التي نشعر بأنّها فارغة إلا أنّها مليئة!، وجدت سِحر الجنون بسيّد الشُهداء الإمام الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد أخبرني صديقي العزيز أنّ الحُسين هوَ (سفينة النجاة، ومصباح الهُدى) وكُنت أشعر أنّي أبصر الظلام قبل انطلاق شرارة البحث عن النور، لهذا حاولت الالتحاق بهذه السفينة، عليّ أتذوّق شيئاً من السعادة والراحة النفسية التي ينشدها البشر جميعاً.

هذه السفينة فيها من القوانين ما فيها، فيها من الحُريّات ما فيها، في أحد اللحظات أنصتنا لتلك الكلمات القادمة من الماضي لتُعلّمنا بأن الحياة (جهاد)، والجنّة فيها من الدرجات التي لا تأتي إلا باستحقاق، كلمات لاتزال تدوّي في كلّ حين، إنّه حق الاختيار لكنّه هذه المَرّة أعطي في الظلام (هذا الّليلُ قد غشيّكم فاتّخذوه جَمَلا) لمجموعة من البشر استخدمت هذا الحق بطُرق مختلفة، هناك أيضاً كانت لحظة صفاء ونقاء مع الروح، والاختيار كان سهلاً، إلا أنّ البعض اختار العَمي!، وأصبح شعورهم كمقبرة قديمة مُقفرة لا أخيار في أرضها!، رغم وجود النور!، إلا أنّ هذا الأمر لم يكن كافياً لهم، فالحُب الخالص الذي لا تشوبه شائبه هوَ ذلك الحُب المليء بالمعرفة والعِلم والشوق، هوَ ذلك النبع الذي لا ينضب، وغالباً ما يقودنا هذا الحُب المُشبّع بالمعرفة إلى التضحية، ومن دونَ هذه المعرفة فإننا لن نتمكن من التسليم، ومن قوانين هذه السفينة التي شاهدتها أنّك ما إن تصعد على متنها فقلبك سيخشغ ويبكي دون قيود!، فإن كُنت ممن لا يبكون لرؤية المصائب، فإنّك من مَن خُتم على قلوبهم بأقفال من ذنوب!، فحاول ولا تيأس، لن تُنزَل من هذه السفينة، قلبك الآن هوَ الهدف الذي يجب أن يلين ويخشع، فقط أغمض عينيك وشاهد تلك الأشلاء المرمية في صحراء كربلاء، تلك القطع المعجونة بحوافر الخيل، وانظر تحت الرمال، قناع سيدّة عظيمة القدر سُلب هَا هُنا، أما يبكيك هذا؟ وانظر إلى آثار أقدام طفل هُناك .. دمعتك ليست غالية هُنا صدّقني، اذرفها، لتكون أغلى ما تملك.

وعاهدت نفسي أن أبقى في هذه السفينة أبداً، وأن أشتري بقائي بها بثمن (روحي) التي نذرتها لاستخلاص هذه الروح التعبة من مستقنع الخطيئة إلى أرض الصدق، تلك الأرض التي وقف فيها إمامي الحُسين (عليه السلام) ونادى (ألا من ناصرٍ ينصرنا؟!)، فهل سيخذله البشر بعد أن قدّم دمه لحفظ راية الإسلام؟.