أفكاري

للكلمة روح

من منكم شاهد الكلمات أمامه؟ من تجلّت له الكلمات في هيئة إنسان؟ من أمسك بنصل حرف السين القاسي؟ من حضرته الكلمات في المنام؟ من حضر جلسة تحضير أرواح الكلمات؟ من شاهد كلمة تنتحر ببطء؟ والمزيد .. من شاهد كلمة تصفع إنسان أو تبصق في وجهه؟.

للكلمات قدرة مُذهلة، منها ما دَفن البشر، ومنها ما رفعه إلى السماوات، للكلمة تأثير مُخيف، فالحرب تمرّ من طريق (كُن)، والقُبلة تبدأ بكلمة تطوف في محيط العشّاق، وتتشبّث بها القلوب.. ولطالما كان السؤال: ما كُنه هذا الشيء؟، هناك كلمة تغيّر مسار الحياة، وكأنها قائد يجتَرّ الأتباع، ويجبرهم على الخضوع لرغباته!، وهناك كلمة تمتلك سطوة جبروت، ورغبة باحث، وحُب عاشق، وصبر حكيم، وروح إنسان تمّرد على جسمه، فاختار التحوّل لكلمة تسبح في كُل محيط بلا خوف، هيَ المجنونة التي تستعير أحزان الآخرين لتخمش وجهها بهدوء، وتسرق فرحة الفرحين لتلبس ثوب سهرة يخطف الأبصار.

كم هيَ ماكرة هذه الكلمات، تنهش جسم الضعفاء، لا تبحث عن الأقوياء، هي سلاح لا يُطاوع الآخرين، هي سامية، فوق مستوى البشر، أمّا هُم -الكتّاب- يبحثون عن رضاها ليسرقوا منها شيء من المُتعة أو شيء من الخوف الذي سكنها عن طريق الآخرين، ومنهم من يعذّبها ويؤرقها، فتنساب من بين يديه وتختفي من عقله، هي في كثيرٍ من الأحيان، عندما لا يدلّلها الكاتب .. تُصبح عصيّة، وقد نراها تنزف في بعض الأحيان إلا أنها تنزف دم الكاتب لا دمها، هي كائن أسطوريّ، يجدّد نفسه بنفسه، فهي بين الحين والآخر تكتشف نفسها وهي مطعونة في خاصرتها بيد شاعر، إلا أنها تعود وتَتَجدّد في قلب مُحِبٍ مجنون، وهناك من -الكتّاب- من يحتجزها في سجن عقله مُعتقداً بأنّه سيقوم بتحويلها لشيء مُميّز .. وللأسف هيَ غالباً ما تضرب نفسها بجدار العقل، وتحدث ضرراً خطيراً في ذاتها -المُتجدّدة- وتؤذي صاحب العقل، هيَ تعرف علاج نفسها .. تضمّد نفسها بفاصلة، أو بنقطة انتهاء.

حُريّة الكلمة تكون بكتابتها، لا يُهم كيف يكون شكلها (ورقي، إلكتروني) المُهم، أنّها تخرج من حبسها، تعيش تتنفّس، تُقرأ فتُحوّل، وتُحاور قارئها بلا مَلل، هُناك في تلك اللحظة، نشاهدها وهيَ تصفع إنسان، أو حتّى تبصق في وجهه، وقد تخنق النوم بلا رحمة، وتمتص روح إنسان، عندها يكون الإنسان عالقاً في المجهول!.

للكلمة .. طاقة، فلنُتقن التعامل معها.