أعمالي, أفكاري

ثقافة الانتظار العاشورائية

الانتظار ثقافة ترسّخت في عاشوراء الإمام الحُسين (عليه السلام)، منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها من مدينة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدأت رحلة الانتظار الخالدة لمولاتنا العليلة السيّدة فاطمة بنت الإمام الحُسين (عليه السلام)، وأيّ رحلة هذه، في تلك اللحظة التي انطلق فيها ركب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى ساحات كربلاء، تركت القافلة فتاة بحجم سيّدة، بحجم حُجّة علينا، بل أكبر منذ لك إنّها كانت بنتُ الحُسين (عليها السلام).

بقيت تنتظر عودة العائلة من رحلة كُتب على جبينها “إن القتل لنا عادة”، كانت تُشاهد القوافل وهيَ ترحل، وهيَ تُلبّي نداء السَبي، إلا أنّها صبرت، وتركت الصبر جازعاً من صبرها، اشتاقت الرضيع، اشتاقت ليلى، اشتاقت عمّها العبّاس، اشتاقت عليّ الأكبر، اشتاقت كُل شيء فيهم، رائحتهم، أنفاسهم، أصواتهم، أشكالهم، حركاتهم وسكناتهم، اشتاقتهم بلا ملل، آمنت بأنّ الركب عائد، انتظرت، وانتظرت حتّى أُنهك الانتظار من انتظارها، كان انتظاراً مليئاً بالخوف من الفقدان، من الوجع القادم من جنب النهر، من تغيّر السماء، من المطر الدامي، من قنينة “أم سلمة” المليئة بالتُراب.

انتظارها لم يظهر عبر الكلمات بل عبر الاحتراق والذوبان في اسم الحُسين (عليه السلام)، أيّ غُربة كانت؟، انتظرته مولاتنا، وننتظره نحن العشّاق على مسافة ألف وبعض السنين، ننتظر الركب الذي انطلق منذ يوم التروية وصولاً إلى يوم الثاني من شهر المُحرّم، ننتظره يعود ونقبّل يد العبّاس، ونحتضن جسم الأكبر، ونلثم التُراب الذي يدوسه مولانا الإمام الحُسين (عليه السلام). على أننا نعلم إلا أننا ننتظر القافلة لأنّها انتظرتها، زرعت هي -أرواح العالمين لها الفداء- الانتظار في أرض حياتنا، ولا تزال تسقي هذا الغرس بدموعها العظيمة. سيّدتُنا فاطمة العليلة، لاتزال تبحث عن تلك السجّادة التي احتضنت الحُسين أعواماً وأعواما، تبحث عن ذلك السرير الصغير الذي احتوى عبدالله الرضيع شهوراً من الحياة، عن الحائط الذي اتكأ عليه عمّها العبّاس، عن صوت عمّتها زينب.

عادوا وليتهم ما رحلوا، عادوا إليها، والموت بين أيديهم، يحملون الأسى في وجوهم، شابت رؤوسهم، تغيّرت ألوانهم، ورائحتهم امتلأت دما، الحياة ما قبل استشهاد الحُسين (عليه السلام) كانت شيء، والحياة من بعده موتٌ على صورة حياة!، أيّ صبرٍ كان؟ وأيّ جزعٍ أعطى المُصيبة حقّها؟ ألهميني سيّدتي ومولاتي.

××

لم تقف في مجلس ابن زياد، ولا مجلس يزيد. إلا أنّها وقفت في وجه التاريخ. ألا لعنة الله على من أيتمها.