خواطري

في الاشتياق إليه

الساعة الأولى: مشياً

أسير إليه منذ العالم الأوّل، فالطريق إلى كربلاء يمتد منذ تلك اللحظة، ومروراً بالنشأة الأولى، ولا ينتهي. يمتَدُّ إلى لحظة اللقاء العُظمى في جنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين. البعض يضيع ويفشل في التواصل مع هذا المسير، يسقط في منتصف الطريق، وأحياناً يضلّ برضاه بحثاً عن مجدٍ آخر بعيد عن الطُهر ابن الطُهر. يهرب إلى الحميم بحثاً عن الماء.

أفكاري

شعيرةُ الشعائر

شعيرة الشعائر، هذه التي أكتب عنها اليوم هيَ الممارسة التي تأخذني باستمرار ناحية كربلاء، لا يُمكنني التفكير بغيرها إن تمّ سؤالي حول أهم شعيرة جزع بإمكانك ممارستها، قبل ممارستي لشعيرة التطبير لم أكن أعلم بأنّني سأتمكن من اختراق حاجز الجَزع لأصل لشيء يُلامس الهلع، كُل ما كان يدور في خيالي بأنّ الطبيعة البشرية تقتضي الوقوف عند هذا الحاجز، أن تبكي أن تضرب نفسك بأقوى قوّة ممكنة، أن تبتعد عن مرحلة التعقّل، فالفاجعة كبيرة جداً، طعنة، تربّع فوق صدره، و… 

أعمالي, أفكاري

ثقافة الانتظار العاشورائية

الانتظار ثقافة ترسّخت في عاشوراء الإمام الحُسين (عليه السلام)، منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها من مدينة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدأت رحلة الانتظار الخالدة لمولاتنا العليلة السيّدة فاطمة بنت الإمام الحُسين (عليه السلام)، وأيّ رحلة هذه، في تلك اللحظة التي انطلق فيها ركب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى ساحات كربلاء، تركت القافلة فتاة بحجم سيّدة، بحجم حُجّة علينا، بل أكبر منذ لك إنّها كانت بنتُ الحُسين (عليها السلام).

بقيت تنتظر عودة العائلة من رحلة كُتب على جبينها “إن القتل لنا عادة”، كانت تُشاهد القوافل وهيَ ترحل، وهيَ تُلبّي نداء السَبي، إلا أنّها صبرت، وتركت الصبر جازعاً من صبرها، اشتاقت الرضيع، اشتاقت ليلى، اشتاقت عمّها العبّاس، اشتاقت عليّ الأكبر، اشتاقت كُل شيء فيهم، رائحتهم، أنفاسهم، أصواتهم، أشكالهم، حركاتهم وسكناتهم، اشتاقتهم بلا ملل، آمنت بأنّ الركب عائد، انتظرت، وانتظرت حتّى أُنهك الانتظار من انتظارها، كان انتظاراً مليئاً بالخوف من الفقدان، من الوجع القادم من جنب النهر، من تغيّر السماء، من المطر الدامي، من قنينة “أم سلمة” المليئة بالتُراب.

انتظارها لم يظهر عبر الكلمات بل عبر الاحتراق والذوبان في اسم الحُسين (عليه السلام)، أيّ غُربة كانت؟، انتظرته مولاتنا، وننتظره نحن العشّاق على مسافة ألف وبعض السنين، ننتظر الركب الذي انطلق منذ يوم التروية وصولاً إلى يوم الثاني من شهر المُحرّم، ننتظره يعود ونقبّل يد العبّاس، ونحتضن جسم الأكبر، ونلثم التُراب الذي يدوسه مولانا الإمام الحُسين (عليه السلام). على أننا نعلم إلا أننا ننتظر القافلة لأنّها انتظرتها، زرعت هي -أرواح العالمين لها الفداء- الانتظار في أرض حياتنا، ولا تزال تسقي هذا الغرس بدموعها العظيمة. سيّدتُنا فاطمة العليلة، لاتزال تبحث عن تلك السجّادة التي احتضنت الحُسين أعواماً وأعواما، تبحث عن ذلك السرير الصغير الذي احتوى عبدالله الرضيع شهوراً من الحياة، عن الحائط الذي اتكأ عليه عمّها العبّاس، عن صوت عمّتها زينب.

عادوا وليتهم ما رحلوا، عادوا إليها، والموت بين أيديهم، يحملون الأسى في وجوهم، شابت رؤوسهم، تغيّرت ألوانهم، ورائحتهم امتلأت دما، الحياة ما قبل استشهاد الحُسين (عليه السلام) كانت شيء، والحياة من بعده موتٌ على صورة حياة!، أيّ صبرٍ كان؟ وأيّ جزعٍ أعطى المُصيبة حقّها؟ ألهميني سيّدتي ومولاتي.

××

لم تقف في مجلس ابن زياد، ولا مجلس يزيد. إلا أنّها وقفت في وجه التاريخ. ألا لعنة الله على من أيتمها.

أفكاري

نيرانٌ مُمتدّة من عاشوراء

لا زلنا نسمع صوت حوافر الخيل وهي تطحن صدر الصحراء، كما أننا ننصت لصوت الُبكاء الذي يدوّي في كل مناسبة، تصلنا هذه الأصوات وهي مُثقلة الدم، منهكة من المسير عبر صفحات التاريخ القاسية، تتكئ على بوابة قلوبنا مُمزّقةً كل صمتٍ مُغطى بحلة من السكينة، كل هذا الحضور يوقظ فينا الأمس البعيد. صاعقة أم ذكرى؟. حضور يُشبه المطر الدامي ذلك الذي انهمر في العام الذي قُتل فيه آخر الأسباط. آخر الأحياء من أبناء خاتم الأنبياء والمرسلين من ربّ السماء والأرضين مُحمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله)، ماضٍ مُغطّى بالجُثث المُقطّعة؛ غرس نابه في عقل صغير كَربلاء العظيم .. باقرُ علوم الأولين والآخرين محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يُنقل لنا عبر كلمةٍ من كلماته، عبر دمعة تُخرس الألسن، حارقةٌ هيَ.

جُرعة من الأسى النابت في خاصرة التاريخ، نعبُّها بلا يأس، كأننا كائنات تتنفّس الأحزان، لا يهزمنا هذا الشجن، نصرعه في كُلّ حين، لأننا أبناء الإمام الباقر (عليه السلام)، أبناء من مشى فوق جمر الخيام، فوق أشلاء القتلى، هارباً من نيران ساحة الطف. لم يشعر إمامُنا الباقر (عليه السلام) بالغُربة أبداً، فحُضور كربلاء في ذهنه فتح نافذةً أبديةً اتجاه جدّه الحُسين (عليه السلام) فقال: “لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين (عليه السلام) لماتوا شوقاً -أشواقاً- وتقطّعت أنفسهم -أنفاسهم- عليه حسرات” كان يَرى بعين الإمامة، بعين القَداسة. رسم خارطة درب المُحبين، الباحثين عن المحبوب، وأطلق نداءه الخالد .. “لماتوا شوقاً” هكذا كان. يتقطّع اشتياقاً لجدّه المُرمّل بالعراء.

امتدّت نيران خيام بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتُلاقي إمامنا الباقر (عليه السلام) لكنّها هذه المرّة استعرت في كبده، تسجّرت لتفتت أحشاءه وتقصيه عن وجه هذه الدُنيا، نارُ السُم .. لا تُخمدها الدموع، ولا المياه. بل .. يُسكنها الموت، الذي ينقلنا من دار الفناء إلى دار الخلود. هكذا التقى من بقر العُلوم بقراً وفجّر أنهار الفِكر الإسلامي الذي حاول اخماده طُغاة التاريخ، التقى بجدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهوَ مسمومٌ يحمل في قلبه ذكرى عاشوراء.

××

رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى بعترته، فقُتِلَ من قُتل، وأقصيَ من أقصي. كيف كان الأمر سيكون إن لم يفعل؟.