أفكاري, خواطري, ذكرياتي

كُنت بعيداً ..

لم أكن قريباً، كُنت أبعد من البُعد بحدّ ذاته، جرفتني الحياة لزَاوية أسوَأ من السيئة، خُضتُ حروباً بالوكالة، دَخلت معاركاً دفعتُ فيها غالي الثمن رَغم أنّي كُنت قائداً لقوّات جسمي المُنهك، سقطت في وَحْلْ الصمت من سنين، لم أكن أنا .. أنا، كُنت كالضفدع الذي يُقرر طبخه في قدر الماء البارد،

خواطري

والمنايا خلفهم ..

خرج الحُسين (عليه السلام) بركبه المهيب، لتخرج الأنفاس بعدها من مُحيط أجسامها، لتُعانق هذا الركب الذي ضمّ في ملحودته أجمل أنواع الصخب الذي لا يهدأ، إنها أحاديث عِشق الرّب الجليل، وحكايات الإسلام الخالدة التي لا تنضب، ونستسقي منها إلى يوم نبعث، في الركب آخر أبناء القرآن الناطق، وآخر ابن بنت نبّي، خارجاً من أرض المدينة المُنوّرة، مودّعاً قبر النبّي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وطفلةٌ صغيرة أعياها المرض، باحثاً عن نصر دين الله القويم بدماء النُبلاء.

لم تكن رحلة عادية، أو موكباً بسيطاً، هوَ الموكب الأكثر استعداداً للموت في التاريخ، هوَ الموكب الأكثر قرباً من الله على مرّ العصور، إنّهم أحفاد نبّي الرحمة، يعيدون رسم الخرائط، تاركين كلّ البصمات الضرورية لاكتشاف جوهر الإسلام، ارتحلوا مع نسمات الفجر، زرعوا الأمل في قلوب البشر، أرعبوا الطغاة، رسموا لوحة كونية عُظمى، فها هوَ الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يرأس الجمع، وينظر إلى عين أخيه العبّاس (عليه السلام) وهوَ يُركُب فخر المُخدرات الهاشمية المظلومة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام)، في محمل العز، وها هي عشيرة الحُسين في حالة من الاستعداد لأداء مناسك الموت، إنهم يعلمون، يبحثون، لا يهربون، إنهم يعلمون أنّها رحلة المنايا والرزايا، لا يُهمّهم إنّ وقعوا على الموت أو وقع عليهم، يبحثون عن رضا الرّب الجليل.

إنّ الحُسين (عليه السلام) يحمل في هذه الرحلة أثمن القرابين، أقمار بني هاشم، لا عديل لهم، تطوى الأرض من تحتهم نحو مَجدٍ تليد، في أرضٍ تُدعى (كربلاء)، ها هوَ شبيه مُحمّد (صلى الله عليه وآله) يتركُ آثاره الأخيرة في بوادي جزيرة العرب، إنّهم وطنٌ مُتحرّك في الصحراء، لم يخضعوا للإرهاب، ولم يقفوا على ساحل الخوف.

××

في العام الـ 60 من الهجرة، خرج هذا الموكب العظيم ناحية مكّة المُكرّمة، في مثل هذا اليوم الموافق 28 من شهر رجب الأصب، ليترك فيها بعد أكثر من ألف سنة، ألف ألف ذكرى، وأكثر منها تعاليم ربّانية ودروس علمية.

خواطري

أبجديات + هدية

مهلاً فكلّ الأبجديات فقدت حلاوتها، وكل الحروف سقطت ذليلة وخاشعة أمام حضرته!، هي ثمانية وعشرون حرفاً ضاقت بها دفاتري وحناياي، أبحث عن حرفٍ جديد أصوغ به لوعة وحسرة وبكاء وشيء من وفاء، هذا الحرف سأكتب به كلمة من خلف التكوين له هوَ فقط، سأصنع لكلمتي هذه هيبة مَلِكْ وسطْوَة جيش، تكتحل بها العيون، وتلتحف السماء مُتألقةً بالنجوم، لا تتكرر كبصمة الإصبع، هل تكررّت بصمة إصبع مدى الدهور؟.

يا مولاي الوصول إلى قلبك مُكلف وأنا رجلٌ مُعدم، فهل تقبلني خادماً يبحثُ عن حرف جديد؟!، فالوصول إلى حضرتك أصدق من حقيقة وأجمل من حُلم وأكثر فتنة من سحرٍ مُبين!، سيّدي هل لي بسؤال؟؛ لماذا لا تزال خطواتي إليك تزّين متحف قلبي وعقلي؟ ولماذا دمعاتي صارت أكثر حُرقة تحت ستائر الصمت؟، سيّدي بعد السجود تحت قُبّتك رأيت في المنام احدى عشر زهرة خرّت لدمعاتي ساجدين، وفي الليلة الخامسة بعد الألف بكيت حتّى ابتلّت السماء بالمطر، تحت ذلك شعرت بأنّي سأنطلق نحو عالمٍ جديد، وهناك قد أمكث ألف ألف عام أو ما يزيد، ولن يكون لي ثمن، هل كل اللوحات الفنيّة تقدّر بثمن؟.

من يا تُرى يملتك الجُرأة ليرحل إليك؟، سيّدي أحببتَ الرّب وأهديت قربانك الأعظم لتحفظ الإسلام، فمنذ يومك شبعت الأرض، ولم تكن بحاجة لقرابين، إلى أن جئنا نحن وخطايانا نحملها بأيدينا المُلوّثة، وبعضنا يحمل في قلبه الخطيئة الكُبرى، ونبحث عن السلام والحُب والاستقرار، يا سيّدي نشعر بأننا تائهون نسقط بين الحين والآخر في حفرة لا نهاية لها، ولا نستيقظ إلا بعد أن نشاهد نورك البَهي يُشرق في سماء هذه الحفرة.

سيّدي يسخر من الجُروح من لا يعرف الألم، وتتكسّر خزعبلات كلماتهم عندما يتجلّى العشق في المسير إلى نحرك!، فلا سياط الشمس تثنينا ولا جبروت البرد يوقفنا، وقرابيننا نحنُ وأنا وكل ما فينا!، وجُثث الولاء تتساقط كما أوراق الخريف مُختزلة عطاء الأرض، إنّ الحضور إليك ليس مقبرة جماعية، ولا صخرة تتحطّم عليها مشاعر الجماهير، بل أنتَ كلّ شيء مُمكن، وكل مبدأ وقيمة فأنتَ أضفت القيمة الكُبرى التي اسمها (الحُسين).

سيّدي عشّاقك يتسوّلون من عينيك نظرة، ويبحثون عن يدك الحانية لتمسح بها على رؤوسهم، وبعدها تلهج القلوب بأسمى آيات العشق، ولن يُبدد الظلام فضياء الشمس باقٍ، حينها ستجمع كافّة الأوراق وسنشاهد في جميعها أنتَ، ولن تُسدل الستائر فالقلوب ستبقى تنبض بـ (يا حُسين)، والسؤال متى تُداوى شفتيك سيدي؟ لتُشرق من ثغرك ابتسامة وتداوي أرواحنا، وكربلاء تصلح لتكون وطناً لكلّ عاشق ومُغترب، فهي مليئة بكَ، وظمأ الأيّام يُطفأ عبر استنشاق ترابها، والبكاء ما بين أطرافها يأخذنا إلى عالم الأطياف ونُشاهد ما جرى.

بدائيّ الهوى أنا (يا أبا عبدالله)، أحبو ببطء وأتمرّغ بخيوط الشمس، وأتعلّم فنّ تدمير الأغلال وأنسكب على جبين التُراب، باحثاً عن ما تبقّى من دم نحرٍ منحور، لألوّن جدران الكون بذلك اللون الأحمر، وأنثر عطراً مقدّساً يطفو فوق صدر السماء، وأعلم بأنّك ستملأ الأرضَ حباً بهذا العطر، وستختنق حكايات الغرام، وستنزوي كلّ وردة لم تصبغ بدم الوريد، وسأُبْقي لنفسي زاوية الهدوء والبكاء والنحيب أنطق أوّل حروف الأبجدية وأنحت حروف اسمك وأطوف حولها سبعَ أشواط بهيّة، لم ولن أعشق مملكة لا تكتب اسمك، وسأرجمها سبعاً وأنادي (الله أكبر).

كم أشتاقكَ أيها الشهيد، كم أشتاقك، …

××

والهديّة هي ..

خواطري

مسرح

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي الزهراء محمّد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين

ما إن تبتَلّ روحي دمعاً ساخناً، ما إن تَعلق أمطار الوجع في قمّة رأسي، أصاب بشيء من الجنون، فأشاهد ذلك الخيط الواهن من خيوط الظلام يهيمِن على المسرح الذي تُقام عليه أهمُّ أحداث العُمر، وينادي من هُم على الضفّة الأخرى للعبور وغزو الخشبة التي يعتليها كبار القوم!، وأتفرّج كسائح لا يعرف أحداً، أهرب من طغيانها، وتتثاقل قدماي والهواء لا يكون كافياً، كائن يسير مُترعٌ بالجبروت والحُزن!، يجوب المساحات الفارغة ليملأ شيئاً منه فيها، يتأمل الحضور، ويستهلك جُرعات ضخمة من الأمل، يُحدّثهم عن ماضيه وحاضره، ويتساءل هل بإمكانكم أيها الجاثمون على صدر الحياة العودة إلى حياتكم الأولى؟، إلى أمسكم وأنفسكم، هل بإمكانكم أن تعودوا كما كنتم، أي قبل حضوري بقليل!.

وبصري لا يبحث عن غيره، فهو يَحكُم المسرح ويُمسِك بكل النواقض ويغرسها في أرض المُمثلين، فتارة يزرع نبتة الفرح، وأخرى يغرس وردة الحُزن!، وأحياناً كثيرة كُنت أراه يحاول زرع شيئاً من الأمل واليأس دفعة واحدة، لا مرفأ له، سوى بعض الطرقات الشاحبة، والسكك المهترئة، والغريب بأن الفزع لا يدبّ هؤلاء جميعاً، بل إنّهم يرتشفون شيئاً من رحيق هذا الخيط المُظلم، قد يكون هوَ أصدق ما في حياتهم، كفصل الخريف يقتطف كلّ شيء ليهدينا ربيعاً جميلاً.

مع أوّل مخاض للذاكرة، أجدني في شارع من شوارع عقلي المليئة بالحُزن السرمدي!، أثق بأنّ الحزن الذي أراه ها هنا لا تعرفه القصور، فكل شيءٍ هنا يمنحني قسطاً من البكاء!، ففي شوارعي أجد كلّ الماضي يتجمهر ليعلن حالة العصيان ويغزو سفينة النوم، كل شيءٍ فيّ يستسلم لنوبات البكاء العديدة التي أصرع فيها في كل مرّة.

[ أيقنت في لحظة من اللحظات الكثيرة بأنّ الظلام هوَ سيّد الموقف، إلى أن يُطل الصبح ليعلن الانتصار، ويعاود الظلام هوايته في بتر خيوط النور وعزف الألحان الملية به عبر قيثارة حُزن ]

كل ليلٌ وأنتم أقرب إلى الله جلّ جلاله.