خواطري

عن الحُب أحدّثكم ..

لنحكي عن الحُب قليلاً، فالكثير منه مُضر ويذهب العقل، فالتصرفات حينها تكون مجنونة يهرب منها العقل ويتنصّل منها، القلب عضو من أعضاء السيادة في جسمك، لهذا كُن على حذر عندما تتعامل معه، وكُن مميّزاً معه، فهو من يقودك (لجنّة الخلود) أو (لنار السعير)، لا تعبث به فالقلب قد يقودك للجنون.

القلب ساحة مقدّسة أودعت في جسمك، والحُب أقدس عباداته، فلا تجعله ساحة للقتال، دع أمر الحَرب لعقلك الحكيم، واترك القلب بلا جراحات وقتلى في كل زاوية، هوَ حرمٌ عظيم، يحتاج للتنظيف والتنظيم باستمرار لتتمكن من استخدامه بالشكل السليم، فلا تدخل فيه من يبغض الله عزَ وجل، ويُكتنز الكراهية للنبي الأعظم مُحمّد وآله صلوات الله عليهم، فهذا قد يحرق قلبك ويصنع منه مستودعاً للكراهية والذُل والخضوع لرغبات النفس والهوى.

عن الحُب أحدّثكم أخواني، هوَ الذي لا تبحثون عنه، هوَ الذي يأتي إليكم راغباً إذا ما كانت قلوبكم مليئة به!، هو صاحبُ المُعادلة الأصعب والأقسى في هذه الحياة، فأرجوكم كونوا منصفين مع هذه النعمة الجليلة، فطاقته الجبّارة قد تنسفنا وتصنع منّا فُتات إنسان قابل للبيع بأثمان زهيدة، وأيضاً طاقته قد تجعلنا نكتشف الكون المودع فينا، وتحررنا من الخوف الذي يقتات على شيء من أعمارنا، وانفجاره فينا يضفي جمالاً غير مسبوق، ففي كلّ مرّة تكتشف أنّك لم تكتشفه، وفي كلّ لحظة تنتفّس فيها تشعر بروعة الأوكسجين الذي استنشقته، هكذا الحُب يغيّرنا إلى الأفضل في كل مرّة يغزو فيها خلايانا، لأنّه جميل، فيصنع فينا الجَمال.

لا تقف عاجزاً أمامه، هوَ ينتظر منك الكثير، فالحُب بلا أفعال كشجرة مغروسة في الصحراء لكنّها عاجزة عن اهداء ورقة خضراء من أغصانها الجافّة، هذه النعمة دون عطاء تكون هباءً منثوراً، فأن نُحب أن نُخلص وأن نُعطي وأن نُضحّي وأن .. وأن ..، إلى أن تنتهي حياتنا وتبدأ رحلة الحياة الكُبرى، هوَ الحُب من يُعطينا القُدرة على البقاء ونحتفظ بالأمل والرجاء، ولايزال هذا (الحُب) يدمّر النفوس المريضة ليستبدلها لنا بنفوس عظيمة تحمل رسالة عُظمى.

قبل النهاية،

إن الـ (البُغض في الله) مطلوب، والـ (حُب في الله) مطلوب، وازن حياتك بين من تُحب -ويقرّبك إلى الله- وبين من تُبغض لأنّه يُحاول ابعادك عن جادة الحق، فالنور في الحُب واكتشافك العظيم هو أن تعرف من تُحب لتعرف من تُبغض.

××

ويبقى الحُب .. ملاذ الروح من اليأس.

أعمالي, خواطري

رسائل عاشوراء [صوت]

ما إن يُنشر قميص الحُسين (عليه السلام) فوق الرؤوس، حتّى يجتاحنا الحُزن، ويقاتلنا الألم، وتفوح رائحة الدم لتطغى وتتجبّر وتُعلن اقتراب ذكرى مقتل سبط رسول الرحمة والإنسانية (صل الله عليه وآله)، وتُنثر الدموع لتحتل جميع العيون، وتكتسح الأرض لتَزرع ذكريات الشجن من جديد!.

كلّ النوارس حملت وطناً من (حُسين) لتودعه في قلب كلّ إنسان، فمنهم من اكتشف السّر المودع في قلبه، ومنهم من أقفل على قلبه بحثاً عن مجد في عالم الموتى!، والأحياء أصبحوا يتقنون فنّ الانتظار والأمل، وأصبحوا يسبحون بين الحكايا والطرقات، يبحثون فيها عن (دمعة) تاهت منذ زمن (ماذا على من شمّ تُربة أحمدٍ) يبحثون بلا كللٍ أو تعب، إنهم من تمرّ عليهم آية (ونُريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا) فتطمئن صدروهم، فلا ضجيج يحرّكهم سوى صرخة (ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحُسين -عليه السلام- قُتِل عطشاناً)، فتراهم حاملي حياتهم على كفوفهم، يهدونها لثأر الله .. لسيّدهم وإمامهم.

رائحة الفَجر مُختلفة، فمفترق طُرقٍ أنت!، اختيارك مَصيرك، في مُعسكر الحق؟ أم مُعسكر الباطل؟ إنها اختياراتك، لا تَكن ممن يختلق الأعذار للهروب، فهروبك يقودك للنهاية، فالكُل مُتجهٌ إلى ذات النقطة.

××

هذا العام تواصلي معكم في شهر مُحرّم الحرام سيكون قليلاً من ناحية المقالات، إلا إن أسعفني الوقت -بسبب عملي في حسينية عاشور مع فريق مؤسسة شباب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولكن .. سأتواصل معكم عبرَ (رسائل عاشوراء – الصوتية) وهيَ سلسلة مكوّنة من عشرة حلقات ستُعرض يومياً في تمام الساعة الثانية ظهراً بتوقيت الكويت، ولن تكون الحلقة طويلة فهي ما بين الـ خمسة دقائق والـ عشرة دقائق، وستجدونها عبر مُدوّنتي الصوتية (بن مكي).

××

عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد الإمام الحُسين بن علي (عليه السلام)

خواطري

كربلاء المُقدّسة

وزِّعوا أرغفة الصمت، وأطبقوا العيون، ولتُطأطأ الرؤوس، فإني سأكتب عن كربلاء، بلا أقلام، بلا حروف بلا كلمات، إنها مشاعر وُلدت من رَحم عقلي، الذي أرشدني إلى حبّها العظيم، فكلّ خطواتي تقودني إلى أرضٍ تخلّدت لأنها احتضنت جسد الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وما إن أدخلها حتّى يخالط جسمي ذرّاتها الأبيّة، فأستنشق رائحة الدّم القاني الذي سُيّل على نهر الفُرات، كلّ زاوية فيها شاهدة على طُغيان عقل لم يتمكن من مضغ فكرة أن هذا الرجل -الحُسين- هوَ آخر حفيد لنبيّ آخر الزمان..!، والحقيقة التي تُضايق وعّاظ السلاطين وعبّاد الدنانير، أن العاطفة التي تسكن هذه المدينة أصبحت في قلب كلّ مؤمن، وأنّ الدم الذي تفجّر من قنينة (أمّ سلمة – عليها السلام) لا يزال يتفجّر في كل عام .. والقلوب كلّها ترنو إلى تلك البُقعة المُقدّسة.

لعُشاق كربلاء حُزن واحد، لكنّ أشكاله مُتعدّدة، يفتخرون بها لأنّها حطّمت رغبة المُنافقين بتدمير روح الإسلام، لا يمكن لمُحبّيها أن يتنصّلوا منها فهي البُقعة الصحراوية التي صيّرها الحُسين (عليه السلام) مدينة كربلاء المُقدّسة، ذُخِرَت لأجله، لينتصر دمه على سيوف الكُفر، ليَرفع من قيمة التضحية إلى قمّتها، فلا نجاح بلا تضحية، ولا إسلام بلا تضحية، ضحّى فيها بعياله، بأهله، بدمه .. هوَ الذي ربط كربلاء بنا، وحقّ لنا الافتخار بأننا من عُشّاقها، ففيها تعرّى أهل الكُفر أمام النور، هيَ المدينة التي تؤدي كلّ الطرق إليها، ففيها مفترق الطُرق فإمّا أن نكون في جيش الحَق مع الحُسين (عليه السلام) أو في جيش الضلال مع يزيد، كلّ يختار طريقه، ويخلع القناع، فالأقنعة تُكسّر وتُحطّم وتبقى أرواحنا التي تُقرر، في أي طرَفٍ نكون.

قد يقول قائل أنّها موطن الذل والانكسار، ففيها قُتل ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله)، لكنّي أقول إنها موطن العز والفَخر، ففيها أهدى عليّ بن الحسين (عليه السلام) روحه فداءً لسلامة أبيه، وأهدى العبّاس بن علي (عليه السلام) روحه فداءً لأطفال فتّ شفاههم العطش، في كلّ رُكنٍ منها ملحمة خالدة لن تأفل، فالشمس لا تُغطيها الثياب، من كربلاء نستلهم الثورة ضد الظلم، من كربلاء نستلهم التضحية والإباء، من كربلاء نستلهم الحُب والإخاء، قداستها تمنعنا أن نسقط في وحل الشتيمة، قداستها تمنعنا من الرّد على الجُهلاء والدخول في معترك الجِدال، كربلاء أنتِ رمزُ الأحرار.

كلّ الحروف والكلمات لا يمكنها أن تختزل (كربلاء) فهي ساحة الحَق المُطلق في مواجهة الباطل الغارق في وحل الخداع والتدليس والكذب، لا تقلقوا فكربلاء مُقدّسة من قبل أن يعرف الإنسان مسكة القلم، وكربلاء محفوظة بحافظ البيت العتيق، وحُرمتها تستمدّها من حُرمة مرقد النَبيّ (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنوّرة.

السلامُ عليكَ يا سيّد الشهداء، أيها الساكن كربلاء، السلامُ على الحُسين ..

أفكاري, خواطري, ذكرياتي

إنّه أبي

فوق سجّادة الصلاة، الغارقة برائحته، أتذكّر كل ما مضى من حياتي وحياته، بلا طقوس مسبقة بلا موعد مع الجنون، فغالباً مواعيدي معه تجلب الكثير من الملل، فوق تلك السجادة وبعد الركوع والسجود، أنظر وجهه يداعب وجهي، يحدّثني بصوته الجهوريّ الحنون، يقرأ لي آية من الذكر الحكيم، فوق ذات السجّادة صنع مسجداً للعشّاق، كانت مسجداً لجبهته العريضة ذات التجاعيد المُثيرة، إن لم تكونوا تعرفوه، هوَ من ربّاني، وأهداني كلّ ما أملك، وعلّمني فلسفة العطاء بلا انتظار، إنه أعظم من رأته عيناي، هوَ والدي، الذي أحمل اسمه منذ بدء حياتي.

هل تعلمون كم مُترفٌ أنا بحبّ هذا الرجل العظيم؟، أغوص في كهوف دفء قلبه الكبير كلّما احتجته، لا أخفيكم سراً أنّ هذا الرجل الذي يُعرف بـ (أبي) وأعرفه بـ (حبيبي) هوَ من غرس فيّ عادة القراءة، وهوَ من أخذ بيدي لحظة قررت الكتابة، هوَ من يترك لي مساحة لا أجدها إلا في رحابة صدره لأعبث بها كيفما أشاء، لم يكن أب تقليدي أبداً، بل هو المُعلّم البارع الفقيه في كيفية التعامل مع حسين الطفل، وحسين المراهق، وحسين الشاب، وحسين الزوج وإلى الآن هوَ من يعرف كيف يتعامل معي ولا أجد رجلاً يعرفني كأبي، علّمني أن مركز القيادة في عالم البشرية هو مصدر قوّة كما هو مصدر ضعف إذا ما كان هُناك قائدٌ فاشل، علّمني أن الصداقات الخيّرة ترتقي بي والصداقات المُسيئة لي تجرّني إلى الهاوية، أبي هوَ الأستاذ الذي يضع الاختبارات لينير لي عقلي بعد التساؤلات، ويشير لي بقلبه الطاهر لأتجّه إلى مصادر المعرفة المكنوزة في مكتبته الأجمل، تلك التي ضمّت نفائس الكُتب، إنه الصديق الذي أودع في قلبه أسراري وحروفي ومشاريعي وخطواتي، هوَ الطبيب الذي يضمّد جراحاتي، لا أعرف أحداً كأبي. فعندما لا أجد أحداً في الطريق ليساندني، أجده ينتظرني بعد أن أصل للنقطة التي أعجز فيها عن مساعدة نفسي، هُناك في كل الطرقات المظلمة يُلهمني مناشدة النور، إنه الذي غيّر ملامحي، وقوّم اللحظات السلبية الكريهة التي غصت فيها، إنه من شاهد أخطائي، ولم يُبغضني، هو من آمن بي عندما اختفى الأصدقاء والرفاق من حولي، إنّه من صنع منّي إنساناً.

إلى الأبد سأبقى أنا الطفل الذي أحبّ أن يبقى طفلاً، تحت جناحه الكبير، وعطاءه اللامحدود، أقف عاجزاً، أتعلّم في كلّ يومٍ دروس ودروس من الحكمة والموعظة، أبي علّمني (حُبّ محمّد وآل محمّد)، أبي علّمني أن النجاح هوَ التمسّك بالحُسين (عليه السلام)، أرشدني إلى حكمة العصور الأولى، وأسرار الحياة، نقل إليّ إرثاً ثقيلاً من العلوم والفنون، مليئاً بالأحجار الكريمة العظيمة.

قبل الختام، أبي اعذرني على تقصيري، على جنوني، على فقري في العطاء، عُذراً على زلّاتي وأخطائي، عذراً على غرس الشيب في رأسك الجميل، .. وفي النهاية شُكراً أبي، شكراً أيها الحاج الزائر العاشق لمحمّد وآل محمّد، شكراً أبي مكّي محمد المتروك.