أفكاري

عطّل فكرة الموت

عطّل فكرة الموت، هاجمها وهيَ تُطل برأسها على القافلة التي تطوف البلاد لتصل إلى ساحة موتها، عطّلها بكلماتٍ مُرعبة، كان يتجّه للموت بقدميه، يبحث عنه، علّم الشُبّان فنّه، فنَسمع عن ابن عمّه وهوَ يقول: “يا عمّاه الموت في نُصرتك أحلى من العسل”، هذا الاستخفاف والإسقاط لهذه الهيبة المُحيطة بالموت لهوَ أمرٌ عجيب، فالأكبر قبل تلك اللحظة الحاسمة ومنذ الحضور الأوّل ترنّم وقال: “ألسنا على حق؟؛ إذاً لا نُبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموتُ علينا”، بهذه الكلمات أعلنها مُدويّة، بأنّ الحُسين (عليه السلام) يستحق كُل وجوده، لا مُجرّد جسمه المُتجّه إلى الموت، والده، إمامه، حبيب قلبه، لم يكن مُجرّد إنسان، بل كان هوَ الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).  أكمل قراءة المقالة ←

أفكاري

المَوت مُعلمٌ عظيم

مررت بتجربة قبل سنين طويلة ولكنّها دائماً وأبداً كانت حاضرة أمامي، تُعطيني دروساً في كل لحظة، كُنت برفقة صديق لي يُعاني من مرض السُكّر –رزقكم الله العافية- كُنت احاول استشفاف حالته عبر سؤاله عن محتوى لوحة إعلانية، إلا أنّه وقبل أن يتمكن من نطق الكلمات ارتطمت سيّارته بعامود إنارة كانت ينتظرنا في منتصف الطريق، تسلّقت السيّارة هذا العامود، وتهشّمت، أنا خرجت من السيارة قطعة واحدة أترنّح في الطريق، أنظر إلى دوائر من الألوان لا تشكّل شيئاً مفهوماً، ورائحة الإطارات والزيوت طاغية، وكثير من الدماء الساخنة التي أشعر بها قبل أن أراها وهي تنبع من أنفي وفمي، كُل ما أعرفه في تلك اللحظات أن هُناك شاب لا أعرفه أنقذني عبر إيقاف سيّارته بشكل عرضي في الشارع بعد أن رآني أترنّح خارجاً من السيّارة، كُنت صغيراً نسبياً قد تكون هذه الحادثة قبل عشرة سنين!، لكنّها أمامي لستُ أنساها لكثرة تفاصيلها.

وكان السؤال الذي يطرأ على عقلي باستمرار منذ تلك اللحظة وإلى اليوم هوَ: هل سيكترث العالم لو مِت؟ ماذا لو كُنت ميّتاً بالفعل؟

حضرت العديد من الجنائز، وفقدت الكثير من الأحبّة، من الأقارب والأصدقاء، بكيت حتّى ابتل صدر التُراب، هُم من أعطى للحياة معنى، كيف لا أبكيهم؟ كيف لا أرثيهم، استذكرت كلّ لحظات حياتي معهم، بحثت عن الجميل وتغاضيت عن كُل ما هوَ قبيح، إلا أنني في نهاية الأمر، ليسَ بوسعي إعادتهم إلى هذه الحياة، ليس بوسعي إلا لملمة شتاتي والمُضي نحو قادمٍ مجهول، كيف يُمكننا الصبر بعد أن نودع إنسان في لحده، كيف نتجرّد من الاحساس وننطلق؟ كيف يُمكننا سماع واقعة كربلاء كاملةً وبعدها نبقى هُنا على هذه الأرض في هذه الدُنيا الدنية؟ لستُ أدري.

في لحظة ما، آمنت بأنّ الماضي لن يتغيّر، والمستقبل لم يأتِ لهذا لن أهدر الكثير من الطاقة في التحليل والتنبّؤ!، في لحظة ما كانت الحياة بالنسبة لي مُجرّد رحلة روح في مركبة البدن، نهاية هذه الحياة لا تعني نهايتنا أبداً، فأرواحنا لا تزال تطوف بين العوالم، تنتقل إلى الجانب الآخر من الحياة، نحو مُستقبلها الذي زرعت ماضيه هُنا في حياتنا.

يا تُرى ماذا نريد أن يُكتب عنّا بعد الرحيل؟ كيف نُريد أن يتذكّرنا البشر؟ جرّبوا انتقلوا إلى لحظة مماتكم، كم شخص سيأتي ليقول “إلهي لا نعلم منه إلا خيرا”، من هُم الأصدقاء المقرّبين الذين سينظرون إلى جسدك وهوَ يودع في الحُفرة؟ كيف هُوَ حال أقاربك في هذه اللحظة؟ هل اكتفى الحضور بقراءة الفاتحة والرحيل إلى الأبد ونسيانك؟ لماذا؟ وكيف تبقى حاضراً في العقول والقلوب؟ هل فكّرت بهذا ..؟ فعلاً اكتشفت أنّ الموت هوَ مُعلّمٌ عظيم فما إن نُفكّر به، حتّى تتبخّر ملّذاتنا في الهواء سابحة باحثة عن قلبٍ آخر تُسيطر عليه، هوَ قلبٌ مُلِأ بُحبِ الدُنيا.

عن الإمام علي (عليه السلام): “أوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه، وكيف غفلتكُم عمّا ليس يُغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يُمهلكم؟ فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم”

 أطال الله في أعماركم وأعمار من تُحبّون في الخير والسلام في هذه الحياة المليئة بالدمار والقتل، ونسأل من الله حُسن العاقبة، بحق مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد صلوات الله عليهم إلى قيام يوم الدين.

خواطري

الناصفة

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي الزهراء محمّد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

شظايا الحُزن تُربت على كتفي، آهةً فيها لون من العذاب، صفعات متنوعة ترمي بكل ثقلها على كاهلي، وكأنها تريد تهشيم ما تَبقّى منّي!، يا تراني لماذا أخبئ شيئاً من دموعي في تلك الزاوية، وأجدني أعبث باللون الرمادي ووسادة أضعها بجانبي لأحتضن نفسي!،

أمنيتي أن أُقتَلُ أو تسلبُ حياتي حرفاً لا روحاً!، غالباً ما ينتظر الإنسان الموت بين يدي فنجان، أو على سرير مرض، أمّا أنا فأبحث عن الموت خلف الكلمات والحروف أو خلف لوحة فنّية تجسّد ليلة الناصفة، بكل جمالها، إلهي وسيّدي ومولاي، ومالكَ رقّي، حقق لي هذه الأمنية، فأنا مازلت أرسم الطرقات المتعرّجة لكي أتوه فيما بينها وأصرخ (يا مهدي) علّني أجده بين هذه الطرقات ينقذني من جهالتي وسوء حالي ودوام تفريطي وإسرافي على نفسي.

زرعت فسيلة النور وهذه المرّة لم تكسرها أمواج الظلام، ولم تنزعها من باطن أرضها؛ أعني تلكَ الرياح العاتية المُجرمة، نبتة النور هذه ستسرّح شعر الطبيعة وتغسله ببهائها، وستمسح الدموع عن عيني الشمس، وتجعل من خيوطها سلاسل ذهبية تعانق الرمال، وستدفئ الثلوج بكساء لونه غريب عن حياتي، لكنّي سأحبه بكل جنوني، وسأعزف بقيثارة الغزل أروع كلماتي، ففي يوم الناصفة سأصبح إنساناً مُختلفاً، يُضاف لي لقباً لم أكن أحمله منذ الصغر، أجدني أبكي فرحاً.

وطنُ أحلامي الصغيرات، أهلاً بكِ في منتصف هذا الشهر، بإذنه ستكونين ليَ أنا وحدي، أنظر إلى عينيك أبحث عنكِ مُجدداً خطواتي نحو هذا العالم المخيف، بخطوات جديدة مِلؤها الأمل والنشاط، سأبدّل وسادتي الشائكة لأضيف بستاناً من رحيق نورَكِ البهي، لا تقلقِ فكلُّ شيء مُعَد، وبإذنه سأنطلق إليكِ مسرعاً كملكِ واثقَ الخطوات يمشي!، فلولا إذنه لما كُنتَ ولما كنتِ، في عالمي ألف غيمة وألف ألف دمعة من غيم، كلّها تبتهل فرحةً مستبشرة، أتركي لي شيئاً أحكيه يا ليلاي، هناكَ بساط مزّقه الزمان، سأرقعه لأركبه وأواصل رحلتي منذ عالم الخفقان، ذلك العالم الذي لا أذكر منه سوى أنّي كنت قلباً يخفق، بحب الآل ويصيح في ليلهِ ونهاره (يا مهدي).

لماذا نذكّر ( اليوم ) ونؤنّث ( الليلة ) هل لأن كل ما في هذه الدنيا من نصفين؟! يكمّلان بعضهما البعض؟! لستُ أدري!، ولكنّكِ يا ليلة الناصفة آخر خريف أمارسه، كن يا يوم الناصفة لي ربيعاً مزهراً أبدياً، لا يُمارَس عليكَ خريف آخر لعبة التبديل المُذلة، فأنتَ ستبقى ربيعاً مُبدعاً جميلاً، يا يوم الناصفة كن لي صديقاً بإذنه.

حبري الإلكتروني الأسود، له رائحة غريبة هذا اليوم، فهوَ يرسم لوحة أكثر رحابة من عقلي، هل لأنّ قلبي هذه المرّة يمارس سطوته المُعتادة!، يا إلهي، أجد كلماتٌ تنمو من خلفها بعض الورود!،  هل للكلمات هذه القدرة!، قدرة العطاء الذي يضيف شيئاً من مسحوق الحُب الجميل على الأزهار!؟ ماذا أصنع هنا، هل أُرفق شيئاً من قلبي الذي ترنّح بين أزقّة الصمت في عالمٍ مُلأ ظلماً وجوراً، وشيئاً من الأمل؟!.

××

كل عامٍ وأنا وأنتم في طاعة الربّ الجليل، ومحمّد الأقدسْ صلوات الله عيه وعلى آله المُقدّسين الأطهار، وكل عام وأنا وأنتم نغترفُ من رحمته الكثير، بحق المولود في الناصفة الطاهرة، بحق ذكرى 15 شعبان 255هـ، بحق إمامنا المُنتظر صاحب الأمر، المهدي الحجّة بن الحسن صلوات الله عليهم أجمعين.

أفكاري

مرآتي ..

 
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي الزهراء محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

 
قبل ساعات فقط تنبّهت لأمر كان يحدث لي باستمرار وتدفقاته الدائمة التي تكون بقوّة حامض الليمون على معدة خالية!، هوَ لا يأتي دفعة واحدة بل نتجرّعه جرعةً تلو الأخرى، وأحياناً نشعر برغبة إرتشاف شيء منه علّنا نبُلّ أرواحنا العتيقة، ونُشعِرها بشيء من الحنان والحُب والأمل.


سأفارق الذين أحبّهم والذين أتعارك معهم يومياً، سواء كنت أرغب بذلك أو لم أرغب، فرائحة الموت تطغى على الدنيا، لا نشتّمها إلا في حالاتنا الغريبة، فبعد سنين من البحث عن الحكمة الضائعة والسر الذي دفن بين أضاليع حكماء العالم، وجدت شيئاً يُدعى التفكّر بالموت وإلى الموت!، لست أدري ما الذي جعلني أتفكّر كثيراً في الفترة الماضية بهذه الفكرة العظيمة، لم أتوقّف لحظة ما، فتارة ما أجد كلمة على جدار صفحة إلكترونية عقّب فيها صديقي مُحمّد وعبّر فيها عن الصلاة وكيفية أدائها بـ [ صلاة مودّع ]، وعيني تقفز على صحيفة ورقية وأجد فيها [ البقية لله ] وحورات التعزية التي اعتادها المُجتمع، وكأن التجاهل هوَ الوسيلة الأسمى للفرار من الموت!، ولكن السؤال الذي يصنع شيئاً من التفكير، هل للموت سبيل لدفن المشاعر؟ أم هوَ طريقة لتفجير الإحساس؟.


أزور تلك المقبرة وأنظر إلى ما في القبور من آهات ورغبات ولوعة، وحب وأمل وسعادة وكل تناقضات الحياة، والعودة إلى الأرض هي حكاية الحَكايا، في كل زاوية من زوايا أجسادهم تجد التراب أعلن إحتلاله وأصبح يغطّي العينين ويملأ الأفواه بكل شغف وكأن الإنتقام قد حان موعده، فذنوبهم التي صالوا فيها وجالوا على صدر الأرض وبين بواطن البيوت المترامية فوق سطحها، لم ينظر إليها سوى هيَ أمنا الأرض كما في بعض الثقافات!.


مرآتي دوماً تحدّثني وتنبئني بأني راحل لا محالة، لا أجد مفرّاً من الحديث معها حول ما إذا كنت أتمكن من الرحيل الآن وليس غداً، لكنّها تُهددني وتنظر إليّ بغضب، وتأمرني بتطهير ذاتي وروحي من شوائب لا تزال عالقة فيها، وتصنع منّي وحشاً ضارياً مُتحرّكاً في ميدان الدنيا، لا إنساناً تملأ يداه لون أحمر من ذنوبه التي لا تعرف طريقاً لجنّة الخُلد!، وتسألني دوماً، كيف تصافح الصالحين؟ ولست أجيب عن هذا السؤال، فهوَ سؤال قاتل، يصنع منّي ذليلاً مقهوراً، لا يعرف طريقاً لتطهير روحه التي تزخر بشارات وعلامات من الضباب!، قيدٌ من وجع يكبّلني يا مرآتي، وخوفٌ من قلبي يعتصر عقلي.


كلماتي تستولد نفسها وكأنها مُستنسخة!، وحروفي تقطنني وتغادر متى ما شاءت ومتى ما رغبت، وتُعلن حالة الثورة الدائمة على يداي الذابلتان، عُذراً فقريباً سأُغَلَّف بقطعة قماشية أنزَوي بينها عارياً خائفاً وحيداً ألعق التراب وأبحث عن الماء، وأنظر يميناً وشمالاً وأجد ذنبي ينظر إليّ شاهراً سيفه يؤنبني ويرغب بتمزيقي، والظلام يُكرر نفسه بكل دقّه والنور يحاول جاهداً أن يحقن الظلام بحقنة النور إلا أنّ الظلام يحل بسرعة ولا يولد كما تولد الشمس، بل هوَ يَهبط من عاليَ السماء ويقتاد حبال النور ليدفنها في لحدٍ أرضي، ونجومه لا تطغى عليه، بل هو يبقى مسيطراً عليها ولا تنفذ من جبروته سوى بعض الثائرات الهاربات من طيشه.

نهاب الموت لأننا نبحث عن الحياة، كم هوَ سيء أن نبقى حبيسي هذه الدنيا بجميع جوارحنا.