أفكاري

إلى ابنيَ العظيم .. !

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إلى ابنيَ البار، إلى ابنيَ العظيم،

ستقرأ هذه الرسالة في يومٍ من الأيّام وقلبك النَقي سيقودك إليّ يا حبيبي، لا يمكنني معرفة حياتك كيف ستكون، وكيف سأهدي إليكَ قلماً وكيف سأغسل يداك من بعض قطع الشوكولا، وكيف هيَ الدنيا وما هي أهداف جيلك وكيف ستلعبون وكيف ستبكون، كلّ ما أعرفه هوَ ما أعيشه الآن وبعضُ ما أتوقّعه في المستقبل القريب، وشيء بسيط من المستقبل البعيد، وأنتَ يا صغيري ستكونُ في عالمٍ مُختلفٍ جداً، مُتطوّرٍ مُقارنة مع ما نعيشه نحن الآن.

دعني أخبرك لماذا أنا أكتب إليك الآن، وفي هذا الوقت على وجه الخصوص، أكتب إليكَ لأن عالمنا اليوم يعيش حالة ولادة عصرٍ جديد، لا نعرف هويّته، ولا نفقه رسالته، نعم نحن الآن في حيرة من أمرنا، فالظلام يحاول بسط بُردته والنور يتصدّى بكل ضعف، والجموع في حالة ترقّب شديد لمستقبل غريبٍ جداً، صغيري حياتُنا الآن مليئة بالمصاعب الجميلة، لا تقلق لم يُجنّ والدك إلى الآن فالمصاعب الجميلة هيَ التي تلدُ لنا حياة كريمة  وغالباً ما تكون هذه المصاعب عبارة عن مجموعة من مشاكل المُتراكبة وتقودنا لحل الكثير من الأمور العالقة، إن المشاكل تأتي دفعة واحدة بُني لتكوّن لنا عاصفة كبيرة من المصاعب، وبعدها ترحل فجأة ويعم السلام، صغيريَ الشغوف نحنُ باقون على قيد الحياة في هذه الحقبة الغريبة التي كَثُر فيها اللعب القاتل، فنُشاهد الإنسان يقتل الإنسان بكل وحشية باسم الدين! وكأنّه يلعب مع أصدقائه، لا أعلم كيف لا يفكّر الإنسان بأنّه إذا ما قتل إنساناً واحداً فإنّه قتل الناس جميعاً!، لا تهرب يا حبيبي، فحياتنا قاسية وأسأل من ربّي أن يهبكم حياة أقل قسوة وأكثر كرامة.

السيّد الصغير، نعمْ أنتَ ستصبح سيّد المكان من بعد والدك، انتبه فمملكتك هيَ منزلك وقلبك، فلا تُسْكن أيَّ إنسانٍ هذا القلب الطاهر، إلا بعد أن تتأكد من طُهره أيضاً، فالدنس المقيت ينتقل مثلَ المرض المُعدي -الذي أتمنّى أن يكون في حياتكم أقل فتكاً مما هوَ في حياتنا- ويدنّس نقاءك وشفافيّتك، فالبشر متفاوتون في النقاوة يا طفلي، فمنذ بدء الخليقة والقتل على هذه الأرض هوَ شريعة الظُلم والحسد والكراهية، فلا تسمح لهؤلاء بالولوج إلى صدرك، فهُم ما إن دخلوا في قريّة إلا أفسدوا فيها وسفكوا النور، أنصحُك بُني بأن تَكون مطيعاً للرّب الجليل باحثاً عن الحق لا مدافعاً عن باطل تَظُن بأنّه الحق، ليَكُن الصمت طريقك في مواجهة المُتلوّنين من البشر، فهُناك من سيستجدي عطفك ليكسب منكَ أمراً، انتبه فشرفكَ إن فقدته لن يُستعاد.

ابنيَ الجميل، كُن على ثقة بأنّك إذا ما تمكنت من إنقاذ قلب إنسان من الانكسار فأنتَ تستحق كلّ ذرة من خيرات ونعم أسبغها ربّنا الكريم علينا، وعلى هذا لا تكُن سبباً في انكسار قلب أو بكاء عين أو حُزن يعتري الجبين، ولدي الحبيب أنتَ دُرّة فأحسن التصرّف مع ذاتك وحاسبها يوماً بيوم، وأوصيك كما نصحت من هُم في جيلي بكتابة يوميّاتك باستمرار، لأننا لا نتذكر أمورنا باستمرار ونحتاج إلى الذكريات فهيَ مُفيدة للبقاء بحالة جيّدة في هذه الحياة المؤلمة بعض الشيء، دوّن بأي وسيلة ستتوفّر في عصرك، ورقة وقلم، أو حاسباً آلياً بشكل لا أعرفه، لا يُهم، المُهم أن تكتب يا صغيري، كُن شفافاً مع ذاتك ولا تقلق واعتبر يوميّاتك هي خازن أسرارك، واعترف وتُب عن الذنب الذي تقترفه بحق البشر وبحق ذاتك، وناجي ربّ العباد غفران هذه الذنوب.

حبيبيَ العملاق بتصرفاته، إني أرغب بأن تكون لك حياة كريمة عظيمة، تصنعها بيدك، وصدّقني يا صديقي سأساعدك بكامل طاقتي وفوق طاقتي، فأنت كلّ إرثي للبشرية جمعاء، سأهديك بعض النصائح وكُن على ثقة بأنّ هذه النصائح ليس لها تاريخ انتهاء فهي وُجدت لكي نستقي منها العلوم وفنون الحياة، يا صديقي عليكَ بقراءة “القرآن الكريم” باستمرار فهوَ مُلهمٌ وفيه طاقة مكنونة، لستُ أعرف لها تفسيراً إلا أنّ كلمات ربّنا الجليل فيها هيبة لا مثيل لها، وعليك بقراءة زبور آل محمد صلى الله عليه وآله “الصحيفة السجّادية” المنسوبة لإمامنا السجّاد (عليه السلام) هذه الصحيفة التي أتمنّى أن تصلك كما كُتبت، مليئة بالحِكمة والمعرفة ومناجاة ربّانية لا نظير لها، وأيضاً أنصحك بقراءة إبداع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب الموسوم بـ “نهج البلاغة” ستجد فيه ما لن تجده في أيّ كتابٍ آخر.

وفي نهاية هذه الرسالة يا بُني تذكّر جيّداً، لا تكن مع الظالمين، وكنْ مع المظلومين، وكن مع الحق وإنّ قلّ سالكي طريقه، فلا يُنجيك شيء سوى عملك الصالح يا حبيب القلب، لا تقلق فأنتَ يا صغيري ستُدمّر كلّ عروش الطغاة وسترفع راية الحقيقة، وسترسم لوحات العدالة في كل بقاع العالم، كُن على يقين بأنّك ستغيّر العالم، لأنّك ستفعل يا صغيري، ولا تخذل قلبك، فحُب الرسول الأعظم مُحمّد (صلى الله عليه وآله) هوَ الحُب الذي يغيّر فينا ما يُغيّر وهوَ ما يستحقّه القلب، وادفع بكل ما تملك إذا ما صادر شخصٌ حريّتك فهي أعظم حقّ وهبنا إيّاه الله عزّ وجل، واحفظ وطنك من كل ظالم يخطط لتدمير لُحمتكم وشقّ صفوفكم.

بُني، لا تنساني ولا تنسى والدتك، وكُن بقربنا، واذكرنا بقلبك الجميل، ..

والدُك، صديقك، حبيبك،
حسين مكي المتروك