أفكاري

هل من قميص نتدثّر به .. فيعودوا؟

سقطوا فأحيوا فينا بُكاءً قديماً سكننا منذ آلاف السنين.

عندما يسقط شهيد، تعود الحياة فينا، تدبُّ فينا لغة متناقضة ما بين الحُزن والفخر. تمتصّنا الآهات، تبُحّ أصواتنا، وتتلاشى في الفراغ، أمّا أعيننا فعلى الرغم من اعتيادها إلا أنّها تغرق في الحُمرة، تمتلئ بالعروق الدامية التي تُمسك بِبُؤبؤ العين وكأنها شِباك حِراسة تحميها من السقوط في المجهول؛ من الذهاب في رحلة أبدية إلى خارج بيتها المُسمى مَحجر العين. نهذي، نتحدّث ونرطُن بكلمات لا يفهمها أحد. نحث الخطى نحو لا شيء إلا أنّ المشي باتجاه أيّ شيء يُريحنا، يخرجنا من دوّامة الحُزن اللانهائية بشكلٍ ما. فالفقد كبير، بحجم شهيد.

همُ من رحل عنّا في لحظة انفجار، في قلوبهم اختبأت كلمة “الله أكبر”، وعلى ألسنتهم قُطعت “سبحان ربيّ الأعلى وبـ …” صعدوا وعلى ألسنتهم حمداً كثيراً، صعدوا مولين وجوههم شطر المسجد الحرام، خرجوا من هذه الدُنيا وهُم ساجدين، بلا أيّ فاصل بينهم وبين العبودية، هكذا تكون خاتمة من كان استثنائياً بحُبّه، ينتقل من عالمٍ الأموات إلى عالم الأحياء بطريقة مُختلفة، هل هُناك اصطفاء في هذا الأمر؟ لا بل عملٌ واخلاص وعطاء .. “وأن ليسَ للإنسان إلا ما سعى”، هكذا رحل عنّا المصلّون الساجدون الصائمون في يوم الجُمعة في شهر رمضان المبارك، هكذا كان سعيهم، سجدةٌ ودُعاء وصيام، وفي ختامهم صلواتٌ على النبي وآله نُحرت قبل أن تولد.

نحن من بقيَ هُنا ينتظر؛ هل من قميص نتدثّر به جميعا فتُردُ إلينا أبصارنا، أفكارنا، أقلامنا، حياتنا؟ هل من أمل يُعاد زَرعهُ فينا حتّى نكبر ونحن نقول “غداً أجمل”؟ هل من سبيل ليعودَ الأحباب إلى هذه الأرض لا غيّرها لنُمسك بأيديهم نُخبرهم بأننا نُحبّهم، نبكي برفقتهم في مجلسِ الرثاء على سيّد الشهداء (عليه السلام)، نلعب معهم جنب شاطئ البحر، هل يعود إلينا من قُتل على يد شيطان؟ هل بإمكاننا العودة لتلك الحياة البسيطة المليئة بالجنون التي جُمعنا فيها قبل أن يرحلوا؟، فمعركة كلامية من أجل مباراة كُرة قدم، وأخرى من أجل مقالةٍ كُتبت، هل يُمكننا أن نعود إلى لحظة الاستمتاع بقراءة رواية صدرت حديثاً؟ هل تعود الابتسامة إلينا بعد ولّت مُدبرة؟.

بدمعة طاعنٍ في السِن وبأنين أخت، وبصيحة طفل، وبصوتِ الأسى الذي انطلق من فم أم، وباشتياق أخ، وبحبِ صديق، وبصَدمةٍ أبٍ رحل عنه ابنه مستشهداً في آخر صلاةِ جُمعة تجمعهما معاً، نسألك إلهي أن تغرسَ فينا صبراً وأملاً بغدٍ أفضل بظهور من يملأ هذه الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئَت ظُلماً وجورا، به .. غَدُنا حتماً أفضل.

أفكاري, ذكرياتي, في العمل الرسالي

موكب بقيّة الله الأعظم (عج)

هذا العام في كربلاء الأمر اختلف قليلاً بالنسبة للشباب الرساليين العاملين في مُختلف الهيئات الشبابية في الكويت وشباب المؤسسات الذين كرّسوا أنفسهم لخدمة الإنسان للرقي الفكري والإبداعي في شتّى المجالات، ومُختلف خُدّام الحسين (عليه السلام) بكافة أفكارهم وأطروحاتهم ورؤاهم التي تخص العمل الحُسيني، اختلفوا كثيراً في الكويت، وفي بعض الأحيان كانت المُقاطعة حاضرة -للأسف- ولكنّهم اجتمعوا أخيراً تحت راية موكب واحد، وهوَ موكب بقيّة الله الأعظم (عجّل الله تعالى فرجه) لأهالي دولة الكويت بمناسبة أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء المقدّسة. 

أفكاري

التعايش مَطلب

الكثير من الشباب يحاول خلق وحدة وطنية، وينادي بها في كلّ محفل، وبعض من هُم غارق في الطائفية أيضاً يُنادي بالوحدة الوطنية، يا تُرى هل هذه الوحدة هيَ مطلب جماهيري؟ كما يصوّرها البعض؟ أم هيَ أمر يمكن تحقيقه عبر الممارسة الحقيقية للأخلاق والإحسان؟.

للأسف كلّنا ننادي بهذه الوحدة -الوطنية- دون أنْ نعي بأنّها وطنية، وليست وحدة دينية أو عقدية أو فكرية!، الوطن يجمعنا ويوّحدنا، وبعض الذين يتغنون بلحظات (مقاومة الغزو الصدّامي) لم يكتشفوا أنّ الذي وحدّهم هوَ الخطر المُشترك والهدف المشترك، ولم يكونوا وقتها يقولون بأنّنا علينا أن نمارس الوحدة الوطنية كما يفعل البعض الآن!، شُهداء الكويت آمنوا بالهدف المُشترك وقدرتهم على التعايش وقاتلوا، ومارسوا شيئاً مغروس في باطنهم، ولم يتصنّعوا أو يكذبوا على بعضهم الآخر.

الأفكار المطروحة للتعايش الحقيقي كثيرة ولكن قبل أن نُطلقها للعلن يجب أن نؤمن بها نحن ونطبّقها، فلا يمكن تحقيق الوحدة الوطنية -التعايش السلمي- إذا ما أرغمنا الأطراف على التنازل الفِكري والعَقَدي، هُنا نحن نلتمس خصوصيات الإنسان، وما إن نبدأ بالاستهزاء في العقائد فسنبدأ بحرب حقيقية لا يمكن اخمادها إلا بتضحيات كبيرة جداً، وهُنا نقطة محورية يجب أن يعيها الجميع، النقاش في الدين لا يعني الالغاء الوطني من الخارطة!، هوَ نقاش فكري عقلي روحي، لا نقاش مساومات وطنية وولاءات كما يصوّره البعض.

للخروج من هذا المأزق الذي يُدخلنا فيه البعض في كلّ مرّة هوَ فكرة (التعايش) فأنَت السُنّي وأنا الشيعي يجب أن نعيش بسلام دائم لا حرب دائمة، أنت تعتقد بشيء وأنا أعتقد بشيء، والمُسلم يعتقد بأمور والمسيحي يعتقد بأمور أخرى، هذا الأمر يجب أن لا يؤثّر على رغبتنا بتطوير هذا البلد المعطاء، احترامي لك يجب أن يتم تبادله باحترامك لي، وإلغاء الطرف الآخر يُسبب أزمة نفسية ورغبة في ردّ الفعل بالنسبة للطرف الملغي.

وفي الختام أقول كما يقول (بوعلي) الوحدة الوطنية ليست (ثوب) نفصّله على مقاساتنا، أو نقوم بارتدائه متى ما شئنا!، وإنما هيَ قدرتنا على التعامل مع بعضنا الآخر باحترام ودون ازدراء، ولا يعني هذا أن نسمح لأي طرف كان بأنْ يُعاملنا بطريقة بشعة تثير عواطفنا وعقولنا وتمس خصوصياتنا، وأن نسعى لتطبيق “اعمل لدنياك كأنك تعيشُ أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً” -الإمام علي (عليه السلام).

××

وكل عام والكويت وكلّ من يُحب هذه الأرض بخير ..

وشُكراً لعبّاس الشوّاف، الذي آمن بقدرته على التأثير، وحاول وصنع .. أدعوكم جميعاً للمشاركة في فعالية بيت القرين (يوم الجمعة) عصراً، ويمكنكم الإطلاع على المزيد عبر تويتر عبر الحساب @forkwt.

وللعلم الصورة المُستخدمة هيَ للرائع (MacaholiQ8)

أعمالي, أفكاري

أنا لا أنتمى .. ! – قصّة

دوّت أصوات الجماهير بطريقة مجنونة، مزيج من الصراخ والتصفيق، والممثل ينحني احتراماً لتقدير الجمهور لقدرته على الكذب والخداع والإيهام، من فوق المسرح يسترق بعض النظرات ليُرضي غروره، وترتسم الابتسامة على وجهه، هُناك تلك اللحظة المليئة بالغرور والهوس حاورَ روحٌ تنظر إليه باستخفاف، وقال بتعالي:

      – لماذا أنت جامد هكذا؟ صفّق معهم ولا تقف ..

      – لا، أنت كاذب لن أصفّق لك، وهذه الحشود بلهاء لا تفقه شيء.

      – ماذا تقول، انا كاذب؟ أنا مُمثّل من الطراز النادر، تمكنت من صنع ابتسامة فريدة من نوعها على وجه الجماهير، وفي كلّ مرّة أتلوّن فيها أجد من يصفّق لي.

      – لهذا أنت كاذب، قادر على التلوّن، ولا رأي لك، كلّ ما يكتُبه أستاذك تقرأه علانيه وكأنّه دستور يجب أن تلتزم به!.

      – إنه مبدع يعرف كلّ مستور، ولديه مصادر خفيّة وصِلات عظيمة مع مُختلف شرائح المُجتمع، كما أنّه وطنيٌّ لا يتوقّف عن ذكر الوطن في نصوصه الجميلة.

نظرت إله الروح الغريبة نظرة استهزاء، وأشاحت بوجهها وتلاشت، وعاد هوَ لابتسامته التي أتقنها، إلا أنّه غاص في ذكرياته وحياته السابقة، عندما كان المميّز بين أقرانه بوجهات النظر الجميلة، والرأي الجميل الذي يُسمع ويطبّق في حياة كلّ من لقيه، وغاص في حزن التغيّر إلى حالته الآن وكيف أنّه يلتزم بنص لا يؤمن به!.

الجمهور لا يزال يصفّق، شعر هوَ أنّه إذا استمر بهذا الشكل سيتقوّس ظهره للأبد!، فحاول الارتفاع لينتصب أمام الجموع، إلا أنّه عيناه تلاقت مع الكاتب الأستاذ المخرج الفذ وهوَ يُشير له بالاستمرار، لأن انحناءته من تقنيات احترام الجمهور وأسره -كما أخبره سابقاً-، فعاد ليُكمل الانحناء إلا أنّه أضاف لانحناءته التلويح بيده وبدأ بأخذ خطوات إلى الخلف، إلا أنّ مُعلّمه ضرب بضربة قوّية بقدمه على الأرض ليُنبهه على أن هذه الحركة مُحرّمة الآن، لا تُكملها!، فتوقّف ورفع رأسه ببطء شديد وظهرت الروح مُجدداً وهاجمته قائله:

      – ها أنتَ كالعبد المُكبّل، لا تقدر على التحرّك، يمكنني أن أضيف هذا اللقب لقائمة ألقابك، أنتَ عبدٌ لإنسان آخر!.

      – لا أنا من ينحني فهذا الجمهور الراقي الذي لا يزال يصفّق بحرارة، وأنا الأوحد على هذا المسرح فيجب أن أبقى فترة من الزمن لأرد لهم جميل التصفيق هذا.

      – لماذا إذن تنتظر أوامر سيّدك، أنت حُر، تحرّك كما أردت أنت لا كما أراد هوَ، ارجع واختفي خلف الكواليس، لأنّك قد تكسر ظهرك بهكذا انحناءة! وأنت تعلم بأنّ وزنك الذي أخذ بالازدياد خلال الفترة الماضية أصبح يشكّل ثقلاً رهيباً على عمودك الفقري.

      – ابتعد اختفي فأنا البطل (المونودرامي) الذي شهد له الجميع بالصبر والجلد على أقسى التمارين.

      – نعم بعد أن ضربت كلّ من حولك، وأقصيتهم باحثاً عن رضا سيّدك و…

      – توقّف عن ذكر المُخرج بهكذا طريقة، إنه مبدع وكفى.

      – أنت مجنونٌ لا يعلم بأنّ المُخرج الآن يسعى لتدميرك، لأنه اكتشف صديقاً جديداً، يمتلك قدرة على خداع الجمهور واقناعه بمستوى أفضل من مستواك وتحصّل على ثقته خلال فترة سفرك في عالمك المثالي، لهذا هوَ يريدك أن تكون أضحوكة، ليتمكن من سحقك وسحقك عالمك.

ودون سابق انذار أخذ الجمهور بالتوقّف عن التصفيق وأصدروا صوتاً غريباً

(بووووووو)

وكأنّهم يقولون له ارحل عن ميدان الثقافة والجمال، وتعالت الإشارات اليدوية مُعلنة كراهيته!، وهوَ غير قادر على تقويم ظهره!، وجّه سمعه بين الحشود، فوجد من يقول “ارحل عن الخشبة أيّها المغرور المُتعالي”، “ارحل أيها الكاذب، أنت مُخادع تبحث عن التصفيق”، “ارحل يا جبان” … !

سقط على الأرض، صرخ (آآآخ) وسارع الكاتب والمخرج بالركض إلى خارج المسرح هارباً، وبدأ الناس بالصعود إلى المسرح لحمل الممثل البائس، واكتشفوا أن ظهره قد كُسر، فتركوه في مكانه ورحلوا.

 فأخذ يصرخ .. “تعالوا .. أنا لا أنتمي إلا لكم، بعتُ كلّ انتماءاتي من أجلكم، لا تتركوني وحيداً هُنا”.

انتهى.