خواطري

محور الأحزان

إنّ الرّب وهبنا قُدرة على السفر بقوّة الخيال، فلا تبخلوا على أنفسكم في هذه الليلة، استخدموا هذه الطاقة الرهيبة، وحلّقوا وارحلوا إلى الوراء، أغمضوا العيون، شاهدوا بعين البصيرة، ولا تقلقوا فإنكم ستصلون إلى معشوقكم لا محالة، تحسّسوا الحيطان التُرابية، إنها ترتجف، ضعوا أيديكم على الأرض، وأنصتوا أما تسمعون صوت البكاء وهوَ يتنقّل بين الذرّات؟ لا تبحثوا كثيراً، فقط شاهدوا كلّ هذه الآثار، إنها الأقدام الصغيرة، وقطراتٌ من لبن مسكوب، إنها هدايا الأيتام لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، هُم واقفين عند داره، يترقّبون خبر شفائه، حاسري الرؤوس، حُفاة، مُرقعةٌ ثيابهم بيديه الشريفة، إنهم أيتامُ عليّ، وقفوا هُنا يبحثون عن نظرة منه، تُطمئن قلوبهم، لأنه ذلك الرجل الذي حضر في الليالي الحالكة ليَطبُخ ليتيم وجبة العشاء، لأنّه ذلك الرجل الذي قرّر أن لا ينام لينام أطفال الإسلام بسعادة، لأنه الذي يبكي لبُكائهم، إنّه الأب الذي قرّر النوم للأبد.

ها هيَ ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك من العام الأربعين من تاريخ هجرة النبّي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ها هيَ تُرخي ستائر الليل، وتُخفي الشمس، وتُحارب خيوط النور، إنها الليلة التي يودّع فيها عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بنيه، إنها ليلةٌ مُثقلة بالحُزن، نبضاتها مُترنّحة لا تجد مجالاً للاستقامة، فالوداع الأخير، يعني أن نثمل ونحن نبكي، وندخل في عالم اللاوعي، ونبكي، ونسقي الأرض دمعاً طاهراً، وبعدها نُشعل العيون بنيران الفقد، لكي لا نُبصر شيئاً، فدمعة مِحور الأحزان زينب، أطهر من أن تُرى، وصوتها أعظم من أن يُسمع، ونورها أجمل من أن يُرى، ستشعرون ببُكائها وترتجفون.

سيُغادرنا الإمام الأب، تاركاً يدُ العبّاس مُعانقة يد زينب، ومُهدياً للحسن كلّ الوصايا، ومُفجّراً دمعة الخلود على الحُسين، ونحن نطلّ من نافذة الحُزن، لنُشاهد النور الذي لا انطفاء له!، يرحل ليُلاقي الأمّة غداً.

في مثل هذا الليل، شقّت السماوات صدرها، تنتظر علياً، وأمّا إمامُنا، فهوَ مُشتاق للقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مُشتاق إلى المكسّرة الأضلاع فاطمة الزهراء، تارة ينظر إلى بنيه وتارة يُغمض عينيه، والنواح من حوله يتعالى، وحروفه الأخيرة لا تتجرأ على الخروج من فمه، لكنّه المؤمن رحمة الرّب الجليل، أدار وجهه ناحية الأبناء وقال: “أستودعكم الله جميعاً، سدّدكم الله جميعاً، وحفظكم الله جميعاً، الله خليفتي عليكم، وكفى بالله خليفة” وتعالت الصيحات، فأكمل، “أشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، رفقاً بي ملائكة ربّي” فعرق جبينه وسكن أنينه وأغمض عينيه وأسبل يديه ومدّد رجليه، وارتحلت روحه إلى بارئها، وساد البُكاء، واسوّد الفضاء، وانقبضت القلوب، واحتلّت بُردة الأحزان كلّ الدُنيا، إنّها ليلة رحيل عليّ .. وداعاً يا علي، وداعاً يا أبي، روحي وأرواح العالمين لك الفداء.

××

عظّم الله أجورنا وأجوركم يا شيعة عليّ (عليه السلام) في حبيب قلوبنا، إمامُنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

××

[box title=”مُلاحظة عابرة” type=”warning” width=”600px” ] بالأمس كانت هُناك محاولة لاختراق الموقع، لستُ أدري ما السبب، ولكنّ إن كان السبب هوَ مقالاتي المكتوبة باسم أهل البيت (عليهم السلام) فليعلم من حاول الإختراق أنني لن أتوقّف عن الكتابة حول محمّد وآله صلوات الله عليهم أجمعين، وعُذراً على تعطّل الموقع بالأمس.[/box]

خواطري

رسّام و ما رسم !

بسم الله الرحمن الرحيم

 وقف الرسام على ضفة نهر .. قرّر الرسم بطريقته الخاصة و كانت أدواته هذه المرّة دماء و دموع و رايات و قطع من أجساد مُقطّعة ! ، لا أعلم هل نحن في عالمٍ حقيقي أم ما يراه هذا الرسام مجرد وهم يخرج من باطن هذا النهر ؟ .

لمس تلك الصخرة المرمية بجانب النهر بأنامله و أنصت و شاهد ! ، هي مجرد لحظات لكنه عاشها دهوراً و أزمنة ، أغمض عينيه إرتمى بين أحضان فتات الصخور شاهد تلك الدماء السائلات و سمع صهيل الخيول الباكيات و لاح بنظره ناحية النهر و إذا براية شامخة تعانق السماء شوقاً و صدى لفظة [ أخي يا حسين أدرك أخاك ] يدوي للأبد .. خيّم الليل و شهقت النجوم بصرخة [ يا حُسين ] .. فجأة إلتفت الرّسام إلى الجدول الجاري بهديره و حزنه و ألمه مخاطباً إياه : لمَ لمْ يكن الجفاف مصيرك ؟ لمّ أنت من بقي و أمنَ العِقاب ؟ فها هي الشمس تغيبُ بحمرةٍ من دم عاينته بخيوطها و ها هو القمرُ يُطفأ نوره بعد أن شاهد قمراً صريع ، مُجريات الحياة تغيّرت بعد أن قدّم الحُسين قرباناً لا يُقدر بثمن ” مهجته ” هي ما قدّم .. فأعطيَ صِبغة الخلود .

في دياجير الليل و سُكون الظلام كانت هناك نيران مُتَّقدة تلاحق كُل شيءٍ جميل ! ، في كربلاء كُل شيء متناقض حتّى هدوء الليل صاخب ! و صمت السماء ناطق ، هي ثورة الثورات .. رُسِمتْ بدماءٍ عشقت رب الأكوان .

عاد الرسام .. فقط ليبكي للأبد ! .

————–

* كتبت هذه المقالة لنشرة الطف ، و لم توضع أي مقالة من مقالات الشباب ! ، و هي بعدد محدود من الكلمات على حسب طلب النشرة !