أعمالي

على ضفّة ما تيسّر من طفل

الليلة تتقاتل البدايات مع النهايات، وتتخطّى فيه الأمنيات صوتَ العُطاشى لتستودعه بكلماتٍ تخطّت التاريخ وامتدّت إلى اليوم، نداؤهم الممزّق، نسمعه في كُل لقاء مع الماء يُنادون والأنين يُلاحق كلماتهم “يعبّاس جيب الماي لسكينة”، هل نبكيك يا سيّد الماء أم تبكيهم؟ أومثلهم يستحق العَطش؟ ازرع الارتواء على ضفّة ما تيسّر من طِفل. 

أفكاري

عن العبّاس

مرساة ثقيلة كانت تُكبّل الكلمات تجذب الأيتام اتجاه البُكاء بلا دموع، رسَتْ قلوبهم على شاطئ العبّاس، وجوه نحيلة تشير بأعينها اتجاه النهر، فالشفاه الذابلة غير قادرة على الحركة، القُروح ظهرت في مُختلف أنحاء الأجسام التي اعتصرت أنفسها علّها توفّر الماء لكُل هذا العطش الذي هجم مُمزّقاً كُل ما هوَ رقيق في عالم الطفولة، الأعين جحظت، والقلوب تفتّتْ، والأيادي تقرّحت، والأرجل لم تعد تقوى على حمل هيكل العظام المكسو بثوبٍ شفّاف يُسميه البعض جِلد إلا أنّه في يوم عاشوراء افتقد خواصه البديعة، وصارَ حارقاً مؤلماً جافّاً لا شبيه له، صارَ وزناً زائداً عن الحاجة في لحظة الفرار من نيران الخيام. 

خواطري

معكم

الحُسين (عليه السلام) لغة لا يفهمها البعض، والبعض الآخر حائر في معانيها!، هو عالم لوحده، هوَ أكبر من نحتويه بأفكارنا وخيالاتنا، لنرحل مع المتجهين إلى أكبر مدن الحُب، تلك المدينة التي تفتح ذراعها للملايين في لحظة واحدة دون أن تشعر بالضجر، يتلقي فيها كلّ مشتاق لرائحة البطولة والشجاعة بقتيلٍ خضّب رأسه بالدم، مُلقى على جانب نهر العلقمي، ويُشاهد ملحمة البقاء الأبدية، تلك التي تتوارثها القلوب، وترويها البصائر، لا تتحدّث كثيراً فقط شاهد فأنت الآن في ساحة الخلود (كربلاء).

توقّف هُنا وانتحب واخلع قلبك، وانفجر بُكاءً، فالحياة هُنا أصبحت ذات معنى، هُنا علّمنا سيّد الشُهداء -روحي فداه- كيف يمكن الانتصار في ميدانها المؤلم، هُنا أهدى الحُسين (عليه السلام) قرابيناً من أرواح لحفظ دين الله القويم، ومن هُنا انطلق ركب السبايا وفيه عقيلة بني هاشم فخر المُخدّرات زينب بنت علي (عليها السلام)، لا تتجلّد واجزع فالحُسين (عليه السلام) وبنيه أحق بالدمع والهلع من أي شيء آخر، دمعُك الغالي هُنا ابذله بكل شغف ورغبة، فأنت الآن في حضرة أعظم شهيد في تاريخ البشرية، أمام من قطّعته السيوف وتهاتفت عليه الرماح، أنت الآن تقف حيث ارتقت الخيول صدر الإمام الحُسين (عليه السلام) فلا تقرأ حرفي وتصمت، أغمض عينك، وأنظر بعين القلب شاهد ذلك المُجرم الذي يهرول بحثاً عن شيء يقتنيه، فقطع خُنصر الحُسين -روحي فداه-!، شاهد الجريمة العلنية التي ارتُكِبت تحت صدر السماء المُمدّدة، وادخل في جوف المرقد الطاهر، لترى المزيد.

لا تهرب، ترقب، فموكبٌ حزين سيحضر من أطراف الشام إلى حيث أنت، محمل فيه من سمعت صوت تكسّر أضلاع الحُسين (عليه السلام)، وفيه من فقدت طفلاً وأهدت دمه للإله، وفيه حكايا الموت مُتجمّعة بلا هدوء، كُن في استقبالهم، فأقدامهم دامية، تقرّحت من المسير والضرب، وشفاهُهم ذابلة من العطَش، لكنّهم دون صغيرة الحُسين رُقيّة (عليها السلام) فهيَ قررت اللحاق بركب القتلى في ظهيرة عاشوراء، ليكُن قلبك طاهراً وبدنك طاهر، واستقبل فيضاً من نورهم جميعاً، وليسمع العالم تلك الصرخة التي هدّمت عروش الطُغاة .. (لبيك يا حُسين).

××

لجميع من هُم الآن يجلسون في المنازل، ولم يُكتب لهم شدّ الرحال إلى الحُسين (عليه السلام)، كُن مع المشّاية، بروحك العظيمة واخلع ثياب البدن، وارتق وكُن من الذين يتقلّبون على قبر الحُسين (عليه السلام).

وكلّ من يقرأ هذه الكلمات وهوَ هُناك في ساحة العَظمة (أسألك بالله أن توصل سلامي لمولاتي زينب عليها السلام) وإن تمكنت فاذرف دمعةً وسجلّها باسم خادمكم جميعاً.