خواطري

في الاشتياق إليه

الساعة الأولى: مشياً

أسير إليه منذ العالم الأوّل، فالطريق إلى كربلاء يمتد منذ تلك اللحظة، ومروراً بالنشأة الأولى، ولا ينتهي. يمتَدُّ إلى لحظة اللقاء العُظمى في جنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين. البعض يضيع ويفشل في التواصل مع هذا المسير، يسقط في منتصف الطريق، وأحياناً يضلّ برضاه بحثاً عن مجدٍ آخر بعيد عن الطُهر ابن الطُهر. يهرب إلى الحميم بحثاً عن الماء.

أفكاري

نيرانٌ مُمتدّة من عاشوراء

لا زلنا نسمع صوت حوافر الخيل وهي تطحن صدر الصحراء، كما أننا ننصت لصوت الُبكاء الذي يدوّي في كل مناسبة، تصلنا هذه الأصوات وهي مُثقلة الدم، منهكة من المسير عبر صفحات التاريخ القاسية، تتكئ على بوابة قلوبنا مُمزّقةً كل صمتٍ مُغطى بحلة من السكينة، كل هذا الحضور يوقظ فينا الأمس البعيد. صاعقة أم ذكرى؟. حضور يُشبه المطر الدامي ذلك الذي انهمر في العام الذي قُتل فيه آخر الأسباط. آخر الأحياء من أبناء خاتم الأنبياء والمرسلين من ربّ السماء والأرضين مُحمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله)، ماضٍ مُغطّى بالجُثث المُقطّعة؛ غرس نابه في عقل صغير كَربلاء العظيم .. باقرُ علوم الأولين والآخرين محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يُنقل لنا عبر كلمةٍ من كلماته، عبر دمعة تُخرس الألسن، حارقةٌ هيَ.

جُرعة من الأسى النابت في خاصرة التاريخ، نعبُّها بلا يأس، كأننا كائنات تتنفّس الأحزان، لا يهزمنا هذا الشجن، نصرعه في كُلّ حين، لأننا أبناء الإمام الباقر (عليه السلام)، أبناء من مشى فوق جمر الخيام، فوق أشلاء القتلى، هارباً من نيران ساحة الطف. لم يشعر إمامُنا الباقر (عليه السلام) بالغُربة أبداً، فحُضور كربلاء في ذهنه فتح نافذةً أبديةً اتجاه جدّه الحُسين (عليه السلام) فقال: “لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين (عليه السلام) لماتوا شوقاً -أشواقاً- وتقطّعت أنفسهم -أنفاسهم- عليه حسرات” كان يَرى بعين الإمامة، بعين القَداسة. رسم خارطة درب المُحبين، الباحثين عن المحبوب، وأطلق نداءه الخالد .. “لماتوا شوقاً” هكذا كان. يتقطّع اشتياقاً لجدّه المُرمّل بالعراء.

امتدّت نيران خيام بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتُلاقي إمامنا الباقر (عليه السلام) لكنّها هذه المرّة استعرت في كبده، تسجّرت لتفتت أحشاءه وتقصيه عن وجه هذه الدُنيا، نارُ السُم .. لا تُخمدها الدموع، ولا المياه. بل .. يُسكنها الموت، الذي ينقلنا من دار الفناء إلى دار الخلود. هكذا التقى من بقر العُلوم بقراً وفجّر أنهار الفِكر الإسلامي الذي حاول اخماده طُغاة التاريخ، التقى بجدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهوَ مسمومٌ يحمل في قلبه ذكرى عاشوراء.

××

رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى بعترته، فقُتِلَ من قُتل، وأقصيَ من أقصي. كيف كان الأمر سيكون إن لم يفعل؟.

خواطري

ولا تزال تطوف

وانتُزِعَت النساء من على الأجساد المُقطّعة، وارتدى الموكب رداء الحُزن والذل، ومارس الليل عنجهيته ليُرعب ما تبقّى من اطمئنانٍ في قلوب موكب السبايا، لأنّه كما تقرر، هذا الموكب يصل إلى قصر (يزيد) بكل وحشية ..! والجموع في الشام تهتف وترقص وتُعربد قائلةً أن الأمير يزيد انتصر على الخوارج!.

صفعةٌ تلوَ الأخرى، يتلقّاها وجه طفلة تبحث والدها .. وكلّ ما تبقّى فيها هوَ دمعٌ يتناثر هُنا وهُناك، والسياط تلعب في ميدان مليء بالأطفال، فقط لتُرعبهم وتحاول قتلهم، لم تكن الطرقات فارغة، بل كانت مليئة بموزعي الحلوى والابتسامات، إلا أنّ هيبة (مُحمّد بن عبدالله) كانت تُخرسهم تُرعبهم، تصنع منهم رماداً لا وجود له، إنّهم ممزّقين مذهولين والسحاب يغطي الجريمة بكل هدوء .. وها هيَ قافلة (زينب) تنقش الأسى في أضلاع الحياة، تعرّي الطُغيان وتُهشّم قناعه المُزيّف، والشمس هاربةٌ تتوارى خلف بُكائها، وتجتر معها جيش من أشعة الشمس الدافئة، لغة الشجن تتوالد في الأفواه، وصرخات الآه تنطلق من الصدور لا من الحناجر، والحكاية مؤلمةٌ جداً، فكلّ من كان في الطريق صاح .. عقيلة بني هاشم زينب مرّت من هُنا! .. آه.

خربة الشام أما تخجلين؟ طفلة طلبت شربة ماء فصُفِعَت، طلبت والدها .. فأهديت رأساً حُزّ من الوريد، مقروع الشفاه بالقضيب، يقطر دماً ويرتّل (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، أما تخجلين أن طفلة ماتت في أحضانك فوق رأس أبيها!.

الجموع تتسوّل حرفاً واحداً من قافلة دخلت مجلس الباغي (يزيد)، حرفٌ واحد يدمّر الغموض الذي اكتساهم، حرفٌ واحد يطلق تنّيناً يفحُ نيراناً تحرق كل طُغيان عشعش في صدور البشر!، حرفٌ يُنطق ليبقى مُعلّقاً أبد الدهور، لأنّه يخرج ليعيد تشكيل الحياة التي صُبغَت بدماء (الحُسين) ليُفهم الكون أن المُعادلة صحيحة، لكنّ العقول لم تعد تعي فنشوة الانتصار على خوارج العصر -كما أشاع يزيد- لا تزال تُسكرهم، وكل ما احتاجته هذه الأبدان السقيمة هوَ دواء من حرف يُفرغُ عن “أهل بيتٍ زُقّوا العلمَ زقاً” يتكاثر في قلوبهم لأنّ ناطقه امتلك “العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين” وفجّر القلوب بصبره، ودمّر جدران الجهل، وانبرى لعصر الظلام بكلماتٍ نورانية ملأت الخافقين، كيف لا وهوَ (علي بن الحُسين).

وتحرّكت القافلة،
والأميرة (زينب) تجمع أيتام رسول الله (صلى الله عليه وآله)..
أهكذا يُصنع ببيت الرسالة؟
ولا تزال تطوف في مُختلف العقول والقلوب، إنها القافلة الأكثر تأثيراً في العالم ..

خواطري, ذكرياتي

وداعاً ثامر الباذر

وأطبق الحُزن على عينيه، وأعلن أنّه احتل مُدن قلبه، إنها الحياة القاسية، لم يكن يبكي بل كان يتنفّس، لم يكن يذرف الدمع، وإنما كان يجمع الذكريات لتُشكّل عُصارة البلل التي تخرج من عينيه لتبقى حيّة إلى الأبد، على الرغم من أنّ رائحة الفُراق تصنع مزيجاً من الجنون والموت! إلا أنه كان ينظر إلى السماء بعين مليئة بالرضا، لم يكن ينتظر إلا تجلّي عظمة الرّب في خلقه، فكان له ما أراد وألهمه الرّب قوّة الصبر التي تفوق كل القوى، وكان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مثله الأعلى، فاستلهم الصبر منه ومن بنيه.

طعُم الحياة بالنسبة له مُختلف، منذ زمن طويل، وها هوَ الموت يُمارس جبروته مُجدداً في حياته، وكلّ الأماني أصبحت مُجرّد أحلامٍ تلاشت، لا قُدرة له على استخدامها في حياته، لن يلاقيهم إلا بعد أن يُقرر الباري له أن يحزم حقائبه، ويَركُن جسده في لحدها، أو أن يلقاهم في عالم المَنام، وهوَ أيضاً قاسي، فما إن نحط الرحال في عالم الواقع، نجد أن كلّ شيء أصبح من الماضي الذي ينهش عقولنا وقلوبنا.

 كلّ فصول حياته لا تُعادل فصله الأشد هذا، الموسوم بختم ثامر، رحل الأخ الابن، رحل الصديق المُخلص، وقرر الرحيل مُلبياً نداء ربّه، وترجّل عن الحياة الخادم الوفيّ لمولاه العبّاس بن علي (عليه السلام)، لم يذبل، لم يسقط في فخّ هذه الدُنيا الفانية، وتركَ ذكرى تحوم في أرجاء مجلس الحُسين (عليه السلام) اسمها دمعة ثامر الممزوجة بنوحِه الجميل.

وغادر هذه الحياة، ليحُط ركابه في محضر أسياده ومواليه، في حياةٍ هي الأجمل هيَ الأكمل، وكان كلّ إرثه، حُبّ الحُسين (عليه السلام)، روحه الآن أقرب من الوريد وجسمه أبعد من سماءٍ ثامنة، وداعاً ثامر الباذر.

وفاضت مآقي الأخ الأب، الصديق العظيم، مُحمّد، بحرارة، بوجع يغمس الآه في عتمة الأرض، مليءٌ بالإيمان حبيبي مُحمّد الباذر، مليء بصبر زينب بن علي (عليها السلام)، مُتيقناً بأن ثامر بين يديّ أمير المُؤمنين عليّ (عليه السلام).

××

عظّم الله لكَ الأجر حبيبي مُحمّد الباذر

في 28 من شهر رمضان المُبارك 1432هـ الموافق 29/8/2011 رحل الأخ العزيز والصديق الوفيّ ثامر الباذر إلى ربّه بعد تعرضّه لحادث أليم، ورحلة استمرّت أياماً في هذه الدُنيا.

لروحه نُهدي الفاتحة مع الصلاة على مُحمّد وآل مُحمّد ..