ذكرياتي

في قُم المقدسة إلتقيت بـ ..

تشرّفت مع بداية العام بزيارة مدينة قُم المقدسّة، هذه المدينة التي تعجّ بالعُلماء الربانيين، ففي كُل زاوية هُناك رواية لأهل البيت (عليهم السلام) مكتوبة وفي مختلف الأزقّة هُناك يقطن مراجع الشيعة الامامية ويمكنك بمجرّد وصولك إلى هذه الأرض الطاهرة أن تُشاهد كميّة طلبة العلم المتوجين بالعمامة البيضاء أو السوداء، في تلك البقعة يسكن جسد طاهر لابنة وليّ الله وأخت ولي الله وعمّة ولي الله (عليهم السلام). هي العظيمة التي تُغدق على هذا المكان بكل أشكال الحياة، اسمها فاطمة المعصومة، هذه المرأة الجليلة القَدر التي ماتت وهيَ شابّة في قُم المقدّسة، فبُنيَ لها المرقد المهيب الذي يُمكن للعيّان أن يشاهد قبّته الذهبية اللامعة التي تعانق السماء.

في مدينة قُم المقدّسة هذا العام التقيت بعد طول فراق بسماحة المرجع الديني الكبير السيد صادق الحسيني الشيرازي هذا الرجل دفع هوَ وأسرته الكثير في سبيل الإسلام العظيم، لم يكن اللقاء عادياً ككُل اللقاءات التي حضرتها سابقاً، فهذا اللقاء كان برفقة عائلتي الكريمة ورفقة أهلي وأصحابي وأحبابي، لم يكن الأمر بسيطاً كُنا تقريباً 100 شخص في تلك القاعة التي سيلقي فيها المرجع كلمته المُختصرة لنا. خلال الكلمة طرح بعض المفاهيم حول العفو والتسامح الذي ينطلق عادةً من السُلطة الأعلى كالأب لأبنائه وكالحاكم لرعيته ..الخ، إلا أنّه أكثر ما لفت انتباهي خلال هذه المحاضرة وما حصل بعد المحاضرة من التفاف المؤمنين حول السيد المرجع وكأنّهم فعلاً عائلة تُحب والدها وراعيها، هذه الحالة التي قلّ نظيرها في شتى بقاع العالم شاهدتها بأم عيني في العديد من المرّات مع السيّد المرجع حفظه الله، إلا أنّها في هذه المرّة حرّكت قلمي، إن هذا الرجل يمثّل تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) في تحركاته في كلماته في اختياره لمفرداته، هذا الإنسان يجسّد تعاليم القرآن بابتسامته لكل المؤمنين وتعامله الراقي مع الجميع، كباراً صغارا. يُمكنني وصفه بأنّه .. أب.

كما أننا تشرفنا بتناول وجبة الغداء في بيت سماحة السيد المرجع وفي اليوم الثاني في بيت سماحة السيد حسين الشيرازي نجل المرجع بعد الاستماع لكلمة مُهمّة جداً حول أهميّة (الخطوة) سواء كانت في اتجاه رضا الباري عزّ وجل أو في اتجاه سخط الباري عزّ وجل، الخطوة نحو الأمام أو الخلف هيَ خطوة مُختلف تغيّر مجرى حياة الإنسان، وفي الكلمة القصيرة حاول سماحة السيّد غرس فكرة (خطورة الخطوة) لكي لا نقع في هذه الخطوات عبر أسلوب وعظي قصصي جميل مُحبب لجميع الأطياف، وعلى عادة آل الشيرازي الكرام أهدينا قرآن كريم بخط جميل جداً وأهدينا بعض الكُتب منها: (أسرار زيارة كربلاء .. بحث روائي حول زيارة الإمام الحسين -عليه السلام-)، المسائل الإسلامية المطابقة لفتاوى السيّد المرجع.

شكراً لله على نعمة زيارة السيّد المعصومة صلوات الله عليها، وشكراً لله على لقائي بسماحة السيد المرجع، وشكراً لله على عظيم منّه عليّ في كُل حين، رحلة لا يُمكنني نسيان الكثير من تفاصيلها، إلا أنني أفضّل الاحتفاظ بشيء لنفسي.

إلهي بحق السيّدة المعصومة (عليها السلام) احفظ لنا المرجع السيّد صادق الحسيني الشيرازي من كُل سوء ..

أفكاري, ذكرياتي

آل الشيرازيّ .. شكراً

هُناك من يدّعي الإسلام ويحاول تطبيق ما يدّعيه على أرض الواقع، يطبّق الحدود ويتناسى الكثير من التعاليم، يبتكر الضرائب ليتمكن من سلب الأموال، يصنع دروعاً بشرية لمنظومته عبر التمويل سنيناً مُتتابعة، يشعر بأنّه الأقوى في كثيرٍ من اللحظات، يسير إلى حتفه عبرَ قتلِ وتعذيبِ أبناء الأنبياء!، هُم مجموعة بشرية اتفقت على خيانة الأمانة، وصُنع الجدار الوهمي حولها، باسم الدين والتدين، رسموا أكبر أشكال الوهم.

قبل سِنين كُنت في مدينة قُم المُقدّسة، وهذه من الحَكايات التي لم أقرأها في كُتب التاريخ، أو سمعتها من لسان خطيب بارع، أو نقلها لي أحد المعارف، بل هيَ ما سمعته بأذني ورأيته رأيَ العين، شاهدت مجموعة تضرب نساء في أروقة ضريح السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، لم أكن أعلم ماذا يحصل، هلْ هيَ عملية إرهابية جديدة تستهدف مرقد السيّدة روحي فداها؟ لم أحرّك ساكناً وقتها، وكان جدول الرحلة يُشير لزيارة لسماحة المرجع آية الله العظمى السيّد صادق الشيرازي (حفظه الله) كان لقاءً رهيباً، إذ كانت الكلمات حول زيارة أنيس النفوس وشمس الشموس الإمام الرضا (عليه السلام) وكيف أنها تصنع شخصية الإنسان هذه الزيارات بتغيرها روحيّة الزائر، ولازالت دموعه تتساقط أمام عيني!، نعم شاهدت هذا المرجع يبكي، وقتها لم أكن أعلم أنّه يمتلك حاجّة مُستعصية، بل كان يتحدّث بشوق كبير للإمام، دون أن يُبيّن حُدوث أمرٍ ما.

تحرّكنا من قُم المقَدسّة لنصل إلى طهران، وقتها وصلتنا أخبار غير مؤكّدة حول حادثة ضرب بنات بيت المرجعية في قُم المقدسة لإقامتهم العزاء على مقربة من قبر فقيد الأمّة الغالي المرجع الراحل السيّد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سرّه) عاد بعضنا وقتها، والبقيّة لم يتمكنوا من العودة، عاد أصدقاؤنا إلى بيت المرجعية، وقتها كانت الحادثة قد انتهت، وقتها تمّ ضرب سماحة السيّد حسين الفالي (حفظه الله) على يده بعصاة!، وعاد الأحباب إلى منزلهم بعد ليلة عصيبة جداً، حادثة لم تمرّ مُرور الكرام، بل كانت تأكيداً على السياسة المُتّبعة مع بيت المرجعية الشيرازي في إيران، منذ لحظة الإقامة الجبرية التي فُرِضَت على المرجع الراحل، لم تهدأ التحركات لإيقاف نشاط هذه المرجعية العاملة، بشتّى الطُرق، ولستُ أدري إلى اليوم، في خدمة من هذا العداء؟ ولماذا يَتم توجيه الاتهامات يمنةً ويسرة على هذا البيت المُجاهد العامل؟!.

قبل ليلتين تمّ استدعاء سماحة السيّد حسين الشيرازي (حفظه الله) ليمتثل أمام محكمة العلماء للتحقيق حول سبب تدشين (أسبوع البراءة)!، لستُ أدري في صفّ من هذا الاستدعاء والتحقيق، هل نسيَ البَعض أنّ الولاية لأولياء الله لها طرف آخر هوَ البراءة من أعداء الله؟ هل نسي هؤلاء أنّ الإنسان بُني على (لا إله) وهيَ -لا- كبيرة (إلا الله) وهيَ -نعم- كبيرة تعادلها؟ ما هذا الجنون الذي يسكنهم، لماذا يخاف البعض أن يعلن البراءة من القتلة كيزيد بن معاوية لعنة الله وأخزاه؟.

آلُ الشيرازي، شُكراً .. فكثير من عشقي للحُسين (عليه السلام) أرشدتموني إليه أنتم، عرفت الكثير منكم، واكتشفت أنّكم أشخاص غُذّيتم حُب الحسين (عليه السلام) من الطفولة، واستلهمتم معاني الولاء من أجدادكم الأبرار، شُكراً لأنكم قدّمتم عطاء ودماء وفِكر واخلاص، شكراً لأنكم قيادة تعرف أصول القيادة الإسلامية الحقّة.

الشمس لا يحجبها الغربال، ولا بد لشمس الحقيقة أن تبزغ ..