أعمالي, أفكاري, خواطري

زينب.

زينب. اسمٌ جدير بالبُكاء.

زينب. حُروف النِياحة حُروفها. في حرف الـ “ز” سوطٌ تُمسكه نُقطته التي تعتليه، سوطٌ يمتَد من تلكَ الصيحة التي ظهرت بالقُرب من قَبَسَ النيران: “وإن!” وصولاً إلى وادي الطفوف جالداً “كبرياؤها” مستبيحاً لمسٌ نقاط “الياء” في رسم اسمها، متجرّداً من كُل اشفاق، فاسم زينب تارةً يكون مرثيةً حزينة، وفي تارةٍ أخرى يصبح انتفاضةً لا قوّة تحتويها.

زينب. ما أن تُكتب حتّى تجزع الحُروف وتتجرّد من ثياب صبرها. تسكن في وسطها “نُ” تلكَ التي “يصفعون”. نونُ اسمها يحمل جُرحاً غائراً في انحنائه، يعبث بأوتار القلوب، يرجُّ قارئيه، يؤذي الصامتين. زينبٌ هوَ الاسم الأوّل من أسماء الكمد، هوَ بوابة أولى لكربلاءْ الشَجَنْ.

زينب. أصوات، نيران، أطفال، نساء، وإمام. غاصوا في حِمى “ب” اسمها المُبجّل. “باؤها” تحمل في طيّاتها “نقطة البداية” وهيَ آخر الحِكاية، مع انقضاء نُطق اسمها، حتّى نبدأ بشُرب كأس الردَى. نبحث عن سبيل عن الارتقاء والوصول إلى سرٍ واحد من أسرار حُروفها المُدرّة للدماء، ولا نصل.

عند أقسى منعطفات الدهر تجدها هُناك شامخة لا تُشبه إلا “علي” ذلك الساكن في باءَ البسملة، لا تنحني إلا لله في صلاة الليل، لا تنثني فهي من نقش في قلبها حِرز “يا حبيبي يا حُسين، نورَ عيني يا حُسين”. زينب بنت عليّ، بنَت بيتاً للأحزان في قلب كُل من قرأ/سمع اسمها، وتزيّنت هذه البيوت بدموعِ كُل هائم بذِكْرِ حبيبها .. الحُسين.

زينب. تستحق الروح ولا أقل.

الراحلون عنها لم يعودوا، لذا قرّرت هيَ أن ترحل إليهم، باحثةً عن تلك الكفوف المقطوعة، راغبةً بتضميدها بخيوطٍ نسيجها من آلامها، رحلتْ. وفي قلبها نزيف من دماء عاشوراء، رحلتْ لتَسكن في أعلى عليين.

زينب. روحُ الجَزع في ثوب بشر.

زينب. مُعتّقٌ هوَ دمعها، أوليستْ هيَ “سادس/أوّل” البكائيين؟ أوليستْ هيَ منْ “وزادت البنت على أمّها”!، أوليست هيَ “من دارها تُهدى إلى شرّ دار”؟.

أعمالي, أفكاري

وكان الموت

لم تكن معركة عاشوراء مُجرّد معركة فارغة المحتوى كمعارك دارت رحاها من أجل ناقة!، لم تكن ملحمة الطف مُجرّد ذكرى عابرة نطوف عليها نحن قرّاؤها كما نطوف على ملحمة جلجامش، كما أيضاً هيَ ليست حكاية أو أسطورة نحكي تفاصيلها لنستمتع بها كما نستمتع بحكايات التنين الصيني، هي حدث غيّر مجرى التاريخ، وأعاد صياغة الحياة على وجه الأرض، هيَ  رحلة الإنسان العظيم لإعادة الإنسانية لموضعها الصحيح، هيَ الحدث الذي لا يزال يغيّر في النفوس، وكُل هذا بسبب صنيعة الإمام الحُسين (عليه السلام) في تلك اللحظات المؤلمة، فكُل فِعل في كربلاء كان درساً نموذجياً، وكُل كلمة نُطقت كانت نصيحة خالدة لنا نحن عشيرة آدم (عليه السلام).

لهذا كان لزاماً على كُل شخص يحاول قراءة الطف ومصائبه أن يكون على قدر عالِ من المسؤولية، فقراءة مثل هذه الحادثة يغيّر في القلب، ويغيّر في العقل، ويغيّر في الروح، ولعل أوّل من أسس لكل هذه التغييرات هوَ من قُتِلَ في هذه الحادثة، هوَ من استشهد وترك دمه يسيل على صفحات التاريخ ويُخلّد أبدَ الدهر.

الحُر بين يزيد الرياحي نموذج عظيم جداً لكل هذه التغييرات، ففي بداية الأمر كان يحمل في قلبه احتراماً لأمّ الحُسين (عليه السلام) سيدتنا ومولاتنا الصديقة الكُبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وفي بداية الأمر كان لديه بعض الشكوك الساكنة في عقله، إلا أنّ روحه العظيمة أبت إلا أن تستجيب في تلك اللحظات لواعية الحُسين (عليه السلام)، تغيّر من حالٍ إلى حال بعد أن أنصت لصوت العقل والفِطرة السليمة، وشاهد بعينه نور سفينة الحُسين (عليه السلام) المُبحرة في ساحة كربلاء، قدّم الندامة. قُبِل اعتذاره. استشهد.

لنحكي قليلاً عن الموت. إن للموت قُوّة عجيبة على التغيير، فما أن نُطالع الروايات التي تحثّنا على تذكّره نشعر بطاقته العجيبة على تغييرنا للأفضل دوماً، فلهذا الزائر الدائم لبيوت الأرض قُدرة على سلب الأفراح من الوجوه وخلع السعادة من القلوب، ما أن يخطف أحبابنا حتّى تقف الثواني احتراماً لهذا الحدث، تتعاطف معنا الدُنيا الدَنيّة، تُشعرنا بضعفنا، ونشعر نحن بحجم خوفنا، هذا الموت المُرعب الذي يغرس شتلاته يومياً، هذا الموت الذي لا يعرف لغة الانتظار، هذا الموت الذي يباغت الواحد منّا ليبكيه الآخرون ويبكون أنفسهم!.

في كربلاء كان الأمر مُختلفاً جداً، فالإمام الحُسين (عليه السلام) لم يكن يهاب الموت، ولم يكن ينتظر أن يطرق هوَ بابه، بل انطلق إليه، ليُسجّل موقفاً فريداً في التاريخ، آخر ابن بنت نبيّ على وجه الأرض، آخر الأسباط، يذهب إلى ساحة كربٍ وبلاء ليسحق فكرة الخوف من الموت، ليؤسس لفكرة الانتصار على الموت والخلود، ليقتلع فكرة الفناء، فالأمر هُنا غير خاضع لقوانين البشر، هيَ عنايات ربّانية بمن حضيَ بنُصرة الإمام المظلوم، هيَ نظرات إلهية لمن أيقن بالحُسين (عليه السلام). إن الإمام (عليه السلام) أسقط فكرة الخوف من الموت من عرشها، بل وهزّها أكثر من مرّة وهيَ لا تتحرّك، حدّثهم بأنّه يُقتل ومن يبقى يُقتل، ولم يرحل الأصحاب. حدّثهم بأنّ نساءه تُسبى فشجّعت الزوجات أزواجهم على القتال بين يديه، وبقائهم بين يدي نساء الحُسين (عليه السلام). إن هؤلاء الأنصار قال فيهم (سلام الله عليه) “والله ما رأيت أصحاباً كأصحابي”، هُم من آمنوا به، وسلّموا أرواحهم بين يده. هوَ الذي أضاء لهم طريق الموت. فخُلّدوا.

قال زهير بن القين “والله! لوددت أني قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت حتى أقتل على هذه ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك”. أيّ قُدرة هذه، صراع دائم مع الموت؟ لا بل استهزاء بفكرة الخوف منه!، إنّهم كانوا على أتمّ الاستعداد للموت آلاف المرّات إن كان لهم الأمر، لكنّهم استشهدوا بين يديه وهُم يعلمون بأنّه لاحق بهم بعد لحظات، بكى الجميع لكن .. في لحظة وداعهم الحُسين (عليه السلام).

أسس الإمام الحُسين (عليه السلام) فكرة الانتصار الروحي، فلم يكن ينتظر من اللعناء واللقطاء أيّ رحمة، بل كان ينتظر لحظة اصطكاك السيوف والرماح، لحظة الخلود، لحظة “خُذ حتّى ترضى”، في الطف انطلقت فكرة انتصار الأفكار والتعاليم الربّانية على كُل أشكال الانتصار المادي، فالانتصار عبر الاستشهاد هوَ أعظم أشكال الانتصار، لم يعرف الكون كُله وسيلة للبقاء على قيد الحياة والتأثير في الآخرين كما عرف أن الإمام الحُسين (عليه السلام) خُلّد بوفائه للإسلام، خُلّد بدمه لا بسيفه، وانتصر بفِكره لا بعُنفه. ولم يكن الموت هاجساً عنده، بل كان رحلة تقود الإسلام للبقاء بشكلِه النقيّ البعيد عن التحريف.

كان الموت أبسط الأمور،
الأقسى هوَ .. سبيُ زينب.

مشاركة بسيطة في مجلّة القُربان الصادرة عن هيئة (إحياء) الثقافية، يمكنكم تحميل أعداد المجلّة من (هُنا)

أفكاري, خواطري

في الشام

الغَد، مُؤلم، الأمس أكثر ألماً، اليوم .. مُفجع!

وَجع خالص، وحالة جديدة في صحراء البلاد العربيّة، وكثيرٌ من جَزع، وشرايين تبحث عن الانفجار تفجّعاً، ما الغياب هُنا إلا تغييب، ما الصمت هُنا إلا آهةٌ سرمديّة، قافلة سبايا تجاهلت الزمن ودقّات الساعات، وأوقفت أرواحها تحرس أجساداً اختلست منها الأرواح، كُل من في القافلة كانوا على استعداد لدفع ضوء العين لتبقى عيني “العبّاس” سليمة، وكانوا على استعداد لدفع دمُ المناحر، ليبقى نحرُ “الرضيع” بلا سهم، كُلهم كانوا على استعداد لبذل النفس حتّى لا يرحل “الحُسين” مقتولاً مُهشّم الأضلاع!، كانت قافلة تتكوّن من أطفال، نساء ورجلٌ فريد .. يحمل على عاتقه (الاسلام) بكُل ثقلة، بكل جراحه. 

خواطري

معكم

الحُسين (عليه السلام) لغة لا يفهمها البعض، والبعض الآخر حائر في معانيها!، هو عالم لوحده، هوَ أكبر من نحتويه بأفكارنا وخيالاتنا، لنرحل مع المتجهين إلى أكبر مدن الحُب، تلك المدينة التي تفتح ذراعها للملايين في لحظة واحدة دون أن تشعر بالضجر، يتلقي فيها كلّ مشتاق لرائحة البطولة والشجاعة بقتيلٍ خضّب رأسه بالدم، مُلقى على جانب نهر العلقمي، ويُشاهد ملحمة البقاء الأبدية، تلك التي تتوارثها القلوب، وترويها البصائر، لا تتحدّث كثيراً فقط شاهد فأنت الآن في ساحة الخلود (كربلاء).

توقّف هُنا وانتحب واخلع قلبك، وانفجر بُكاءً، فالحياة هُنا أصبحت ذات معنى، هُنا علّمنا سيّد الشُهداء -روحي فداه- كيف يمكن الانتصار في ميدانها المؤلم، هُنا أهدى الحُسين (عليه السلام) قرابيناً من أرواح لحفظ دين الله القويم، ومن هُنا انطلق ركب السبايا وفيه عقيلة بني هاشم فخر المُخدّرات زينب بنت علي (عليها السلام)، لا تتجلّد واجزع فالحُسين (عليه السلام) وبنيه أحق بالدمع والهلع من أي شيء آخر، دمعُك الغالي هُنا ابذله بكل شغف ورغبة، فأنت الآن في حضرة أعظم شهيد في تاريخ البشرية، أمام من قطّعته السيوف وتهاتفت عليه الرماح، أنت الآن تقف حيث ارتقت الخيول صدر الإمام الحُسين (عليه السلام) فلا تقرأ حرفي وتصمت، أغمض عينك، وأنظر بعين القلب شاهد ذلك المُجرم الذي يهرول بحثاً عن شيء يقتنيه، فقطع خُنصر الحُسين -روحي فداه-!، شاهد الجريمة العلنية التي ارتُكِبت تحت صدر السماء المُمدّدة، وادخل في جوف المرقد الطاهر، لترى المزيد.

لا تهرب، ترقب، فموكبٌ حزين سيحضر من أطراف الشام إلى حيث أنت، محمل فيه من سمعت صوت تكسّر أضلاع الحُسين (عليه السلام)، وفيه من فقدت طفلاً وأهدت دمه للإله، وفيه حكايا الموت مُتجمّعة بلا هدوء، كُن في استقبالهم، فأقدامهم دامية، تقرّحت من المسير والضرب، وشفاهُهم ذابلة من العطَش، لكنّهم دون صغيرة الحُسين رُقيّة (عليها السلام) فهيَ قررت اللحاق بركب القتلى في ظهيرة عاشوراء، ليكُن قلبك طاهراً وبدنك طاهر، واستقبل فيضاً من نورهم جميعاً، وليسمع العالم تلك الصرخة التي هدّمت عروش الطُغاة .. (لبيك يا حُسين).

××

لجميع من هُم الآن يجلسون في المنازل، ولم يُكتب لهم شدّ الرحال إلى الحُسين (عليه السلام)، كُن مع المشّاية، بروحك العظيمة واخلع ثياب البدن، وارتق وكُن من الذين يتقلّبون على قبر الحُسين (عليه السلام).

وكلّ من يقرأ هذه الكلمات وهوَ هُناك في ساحة العَظمة (أسألك بالله أن توصل سلامي لمولاتي زينب عليها السلام) وإن تمكنت فاذرف دمعةً وسجلّها باسم خادمكم جميعاً.