أفكاري

يتيماً وآواه ..

أوّل من أحب النَبيّ في عالم الدُنيا، وأوّل من احتمت بكنفه الشريعة الإسلامية، هو الشخص الذي عندما ضاقت الأرض بالنبّي الأعظم (صلى الله عليه وآله) فتح أحضانه وعيونه الدافئة لتكون ملاذاً آمناً له من مكر كفّار قُريش وطُغيانهم، هوَ أحد الأسباب الظاهرة في بقاء رسولنا الكريم (ص) حيّاً لينشر راية الحق، كان عَالماً من الحنان، ودُنيا من الإيمان، أهدى لمُحمّد بن عبدالله (صلوات الله عليه) أماناً فُقِدَ برحيله، لم يَكن رجلاً عادياً، لم يكُن مُجرّد عَمْ، إنه الرجل العارف المؤمن القويّ الثابت في مبادئه، شيخ البحطاء وزعيم هاشم أبوطالب (عليه السلام).

هذا الإنسان الذي دافع عن الإسلام بكلّ قواه، فلا يمكنك أن تقرأ تاريخ ما قبل البعثة حتّى تجد اسم (أبوطالب) حاضراً وبقوّة في جميع الذكريات، فلم يَكنْ إلا مؤمناً بالنبي (ص) يظهر في جميع الأوقات التي حاولت فيها عصابات قُريش قتل الرسول الأعظم (ص)، فها هوَ الشِعب الشهير يتخّذ من أبي طالب اسماً له!، حتّى عُرف الشِعب بـ (شعب أبي طالب)، في هذا المكان عاش بني هاشم بحالة من الترقّب بعد أن قاطعتم القبائل والحصار اشتد عليهم، حتّى شدّت أحجار المجاعة على بطون عشيرة النبي (ص)، وكان العَم الحنون يخاف طيش فتية قُريش فكان يُبدّل مكان نوم حبيبنا مُحمّد (ص) بأحد بنيه وهوَ علي (عليه السلام)، وانتهت سنين الحصار بإظهار الحق فكان قوله “إنّ ابن أخي قد أخبرني -ولم يكذّبني قط- أنّ الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة”، إنه الشخصية التي أبت أن تكفر بمُحمّد بن عبدالله (ص) طُرفة عين، آمن به وبصدق كلماته، ولم يترك للكفّار لحظة عبث برجل الإسلام والدين الحق.

هجمات مُستمرّة يحاول فيها رؤوس الكُفر قتل الرسالة في مهدها، فمصالح الكفّار في نهاية الأمر ستُفنى! -إنها دوماً المصالح المالية والسيادية التي تعني الطُغاة- إذا ما ظهر الإسلام واعتنقت جزيرة العرب هذا الدين الجديد عليهم، لكنّ خطّ الدفاع الأوّل كان سيّد هاشم (عمران) الكافل الأمين للرسول الأمين (ص)، فتارة يحاولون اهداءه (عمارة بن الوليد) وهوَ من أجمل فتيان قريش ليُهدي لهم مُحمّد (ص) ويرفض بقطع دون اختلاجات نفسية تتغلغل في صدره: “أتعطونني ابنكم أغذيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبداً”.

أستغرب أن يكون هذا المُحامي (كافراً) في نظر البعض!، ومن أسلم بالوكز والخوف من أن يُدق عُنقه كأبوسفيان يكون مؤمناً ويكون ابنه أمير المؤمنين!، فعلاً لابُدّ لنا من وقفة جادة مع تاريخ مؤمن قُريش العظيم أبوطالب، ففي تاريخه ستجدون الكثير من الأحداث وتعرفون رؤوس الكفر ماذا صنعوا في حياته وماذا صنعوا بعد رحيله إلى جنان الخُلد، إنه الذي وجد النبي يتيماً فآواه، أيكون حقاً في -النار- والعياذ بالله؟.

في اليوم السابع من شهر رمضان في عام الحُزن، رحل أحد العُظماء الذين دافعوا بشكل شرس عن الإسلام ورمزه الأعظم مُحمّد صلى الله عليه وآله، وتركَ للإسلام أربعة لا مثيل لهم: طالب، وجعفر، وعقيل، وأمير المؤمنين والفاروق الأعظم والصدّيق الأكبر الإمام علي .. عليهم جميعاً منّي السلام، لم يترك أبوطالب ابن عمّه وحيداً في ساحة الحياة، وإنما وصل جناحه بجعفر وعليّ، إنّه الشخص الأكثر تأثيراً في مسيرة انطلاق الإسلام.

عظّم الله لكم الأجر جميعاً في ذكرى رحيل أبوطالب بن عبدالمطلب، والسلامُ عليه إلى يوم البعث.

الصداقة والأصدقاء

إيّاك .. (4)

إننا في شهر الانطلاق نحو الأفضل، هُناك روحية عالية في الأجواء، وفي كلّ مكان تجد من يحُاول أن يطوّر نفسه، ويضيف لهذه الروح الدروس المعنوية الكُبرى التي توزّع في هذا الشهر الكريم، هُنا في هذا الشهر المبارك والآن علينا غربلة حياتنا الاجتماعية قليلاً، وصُنع التغيير المطلوب.

الدرس المُهم في العلاقات الاجتماعية يقدّمه لنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام “يا بُني إيّاك ومُصادقة الأحمق فإنه يُريد أن ينفعك فيضرّك، وإيّاك ومُصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإيّاك ومصادقة الفاجر فإنّه يبيعك بالتافه، وإيّاك ومُصادقة الكذّاب فإنه كالسراب يقرّب عليكَ البعيد ويبعد عليكَ القريب”، هل وصلت الرسالة؟ إنها قاعدة جميلة لو عملنا بها لأصلحنا المُجتمع وأصلحنا أنفسنا!، قد يتبادر إلى الأذهان عن كيفية إصلاح المُجتمع عبر هذه القاعدة، لنُشاهد الإنسان المنبوذ من المُجتمع ماذا يصنع غالباً، إذا ما توفّرت له ظروف العودة إلى الحياة الاجتماعية بأسلوب أفضل من سابقه، سنجده يُصلح نفسه أو يُحاول ويُمسك بيده أحد الأخيار الذين نذروا أعمارهم لخدمة البشرية.

إن مُجرّد جلوسك في دائرة تحتوي على هذه الأصناف من البشر، سيؤثّر فيكَ لا مَحالة، فأنتَ كائن مؤثّر وتتأثّر أيضاً، وإلا لما مَنعنا رسول الرحمة صلّى الله عليه وآله من الجلوس على مائدة يشرب في الخمر، فحتّى وإن كُنت مُرتاحاً لهذا الإنسان ومجالسته فانتبه فصفاته ستتنقل إليكَ لا شعورياً، يقول أمير المؤمنين عليه السلام “قارن أهل الخير تكن مِنهم، وباين أهل الشر تبن عنهم”، لهذا دوماً اختر الهدف الذي تريد أن تصل إليه فلو أردت أن تكون تاجراً فكُن مع أهل التجارة، وإن كُنت تريد أن تكون كاتباً فابحث عن الكتّاب وكُن بينهم، وكوّن فريقاً من أصدقائك الذين يُشاطرونك هواياتك، وكُن قائداً لفريق ناجح.

[قصّة]

أحد الأصدقاء، عندما بدأ يوسّع علاقاته وأخذ يرمي بحباله في كافّة الطرقات بحثاً عن أصدقاء مميّزين، يمتلكون الفائدة التي يبحث عنها، والحكمة التي هوَ باحثٌ عنها، بدأ بتجنيد قواه ليصل إلى مُختلف المجموعات ويستقي منها ما يريد، في ذلك الوقت أخبره أحد أصدقائه أنّه يجب أن ينتبه فهوَ بدأ بالغوص مع أناس لهم باع طويل في (الاستخفاف بالله عزّ وجل) إلا أنّه كان مُصراً على أنّه أقوى وقلبه أقسى من الحجارة ولن يتأثر بهذا الأمر أبداً، وكان انخراطه بطيئاً لكنّه عميقاً، بخطوات صغيرة وصل دون أن يشعر إلى مرحلة أن يتهكّم على مُعتقداته!، وقريباً إذا لم يتمكن من الخروج من مُجالسة (الفُجّار) فسأراه مُباعاً بأبخس الأثمان!.

[كلمات]

لا تَكُن مِن الذين سيقولون يوم القيامة (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا)، وكُن منِ (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).

××

اختبارات،

جرّبوا
هذه الاختبارات،
وهل لكم أن تُخبروني عن تجاربكم في التخلّص من صديق يسبب أزمة؟!

الصداقة والأصدقاء

أكثروا .. (2)

 

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي الزهراء محمّد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

” أكثروا من الأصدقاء، فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة، أمّا الدنيا فحوائج يقومون بها، وأمّا الآخرة فأهل جهنّم قالوا: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}” قالها مولاي الصادق عليه السلام، حقيقةً الصداقة ليست قضيّة عادية أو بسيطة، فهي قضية ضرورية ومن ضرورات الحياة، وتحدد مصيرك في المستقبل إذا ما أخطأت الإختيارات، أو لم تصلّح هذه الإختيارات، فهي قد تقودك إلى الجنّة أو النار، فالتأثير الذي يحدث خطير جداً، فهوَ يحدث بتدرّج وببطء شديد، كمن يقلي ضفدعاً حياً، لن تلاحظ هذا التغيير الذي يحصل لحياتك بسهولة بل ستكتشف بعد مدّة طويلة ماذا صنع هذا الصديق بحياتك، وكيف أضاف وماذا سرق منك!.

يقول الحكيم لقمان لابنه ” يا بني صاحب العلماء واقرب منهم، وجالسهم وزرهم في بيوتهم، فلعلك تشبههم، فتكون معهم، واجلس مع صلحائهم، فربما أصابهم الله برحمة فتدخل فيها فيصيبك وإن كنت صالحاً فأبعد من الأشرار والسفهاء، فربما أصابهم الله بعذاب فيصيبك معهم” تماماً كالمرض الذي لا يصاحبه ألم، فهو يكون غالباً خطير جداً، فاكتشافه يكون بعد فوات الأوان، وهنا مكمن الخطورة، فأحياناً لا يشعر الصديق بأنّ انحرافه بسبب صديق هوَ أكثر خطورة من أيّ شيء آخر موجود في حياته!.

الصداقة، قضيّتها قضية اختيار، فلا يوجد صدفة للصداقات، فلم أسمع في يوم عن شخصين صديقين جمعتهم الصدفة ليكونوا أصدقاء، بل غالباً ما تتوفّر أرضية لتكون هناك علاقة بينهما، وهذه الأرضية قد تكون جيّدة أو سيئة، ولكنّها تتوفّر وتتشكّل على حسب الأوضاع التي يكون بها الشخص، يقول حبيب الله محمّد –صلى الله عليه وآله- ” المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ”  وعليك في رحلتك في هذه الدنيا التساؤل الدائم (من هوَ صديقي؟) فلا تترك للأرض اختيار الأصدقاء فقد تختار لك شيئاً سيئاً وذلك لسوء تقديرها لك.

{حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} هكذا يتمنّى بعض الأصدقاء بعد فتوات الأوان، ولكن ليسَ معنى هذا الأمر أن لا يصادق البشر، بل يعيشون حالة العزلة، أو أنّهم يصبحون مهووسين صداقات، فالإعتدال أمر جيّد وحَسَن، فيجب عليكَ أن تطبّق “كن مع الناس ولا تكن منهم”، فالمؤمن إذا وجد الأصدقاء المؤمنين يجب عليه أن يصادقهم ويحافظ عليهم، ولنا في قول رسول الله –صلى الله عليه وآله- أسوة “إن المؤمن يسكن إلى أخيه كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد”، والإنسان يبقى واحداً، ولكنّ أمير المؤمنين يصف المؤمن بالكثير في حالة وجود الإخوان “المرء كثير بإخوانه” فغالباً ما نسمع كلمة (جماعة فلان).

قد يتساءل البعض: أليست كثرة الإخوان ضارّة؟، أقول نعم إذا أسأت اختيارهم فهي حتماً ضارّة وإذا ما اخترت بشكل سليم فهي رائعة، أمّا (قرناء السوء) فهم شيء آخر يجب أن تكون العزلة ضدّهم صارمة وقويّة للحفاظ على الشخصية التي يحملها الإنسان، ولكنْ العزلة لا تكون بالهرب منهم إلا إذا كانت الأحوال سيئة كما أحوال [ أهل الكهف ] وإلا فلنكن كما كان أبو ذر الغفاري، يتحدّث للجميع ويبحث عن الإصلاح في جسد الأمّة.

[ قصّة ]

لازلت أذكر أيّام كنّا في مؤسسة الرضوان الشبابية، وهي مؤسسة رائعة جداً بشبابها الكرام، وبحماسهم الكبير، والصداقات التي اكتسبتها من هذه المؤسسة كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولكن للأسف كان هناك بعض من عاش فيها ممن ينطبق عليه قول الإمام علي عليه السلام “من خشنت عريكته، أفقرت حاشيته” فلم يكن يقدّم تنازلاً واحداً ويرى طريقه صحيح جداً ولا يجب التنازل عنها وكأنّ آراءه وأفكاره هي فقط الصحيحة وأمّا البقية فهم كزبد البحر في آرائهم!.

[ التنازل ضرورة! ]

لست أنادي بالتنازل الكامل عن الحقوق والإحساس بالواجبات، ولكن تنازلات تكفل علاقة جيّدة وطويلة الأمد، والتنازل يعني أن تعرف حدودك وحدود أصدقائك وتحترم حدودك وتحترم حدودهم، وها هوَ عميد التربية وأستاذ اللغة مولاي علي بن أبي طالب عليه السلام يقول “فليس بأخ من ضيعت حقوقه”.

 

تساؤلات:

      1- هل تختر أصدقائك؟
      2- هل جميع الأصدقاء على قدر متساوٍ لتكوين علاقة جيّدة معهم؟
      3- ما هيَ أنواع الأصدقاء؟