أعمالي, أفكاري

أوتَحسبُ؟

لم أكن أرغب في الكتابة، ولكنّي كُنت مهووساً بفنون الوصول إلى البشرية، كالتصميم والرسم والخط والتسويق، وحاولتُ كثيراً القراءة في هذه المجالات، لم أكن أعلم بأنّ حياتي مليئة بالمفاجآت التي ستأتي لاحقاً، لم أكن أفكّر في يومٍ من الأيّام أن تكونُ حروفي مقروءة حتّى!، كُنت أحتفظ بالمقالات في أدراجي، وحرقت الكثير منها، لم أكن أعلم بأنّ للكلمة قوّة يمكنها صنع فارق حقيقي، غُرست فكرة في عقلي وكادت أن تهدمني، والكثير من الأصدقاء يعانون من فكرة (هدّامة) سكنت في عقولهم من عصورٍ ماضية، أو من شخصٍ لم يكتشف أنّ الأسرار مودعة في كلٍّ منّا، لا فيه حروفه فقط. 

أفكاري, خواطري

هدم البقيع، يومٌ فجيع .. !

كلّ يومٍ يتجدد الألم المزروع فينا ويكبر، فنجرّ أذيال الهزيمة، والخيبة تعانق وجوهنا المليئة بالحُزن، إنها الحكاية القاسية في حياتنا، هيَ حكاية ذُلّنا التي أنبتت أنيابها في عقولها وقلوبنا منذ ١٣٤٤هـ، وإلى اليوم نحن نعيش أقسى أنواع الحرمان، فإننا جميعاً نتمنّى الوصال إلا أنّ هُناك زبانية يقفون على بوّابة الرّحمة، يُجرّحون كلّ قلبٍ سعى للوصول للقاء أحبابه.

نصرخ في وجه الكون، ولا يسمعنا أحد، لأننا أضعف من أن نصرخ! فصُراخُنا يتمثّل في صمت مُريب، ننتظر الخلاص وانقاذنا من طُغيان أنفسنا المُتقاعسة التي تأمرنا بأن نكون مجرّد كائنات تنشر في الأرض الخضوع، وكأنّها تحتاج إلى المزيد!، إنّ انحدار الأمّة ازداد منذ ذلك اليوم المشؤوم الموسوم بالثامن من شهر شوّال، حيث تمكن المجرمون من هدم قباب مقبرة البقيع، وتمكنوا من ازالة كلّ معالم الفخر في تلك البقعة، إنّهم لا يفقهون أنّ تُراثنا الإسلامي أكبر من ذواتهم.

الطرق امتلأت بالفاقدين، والأرصفة امتلأت بالدموع المُتناثرة بعد بُكاءٍ مرير، وأوراق الأشجار لا تغطّينا بدفئها المُعتاد، فكلّ الفصول أصبحت بلا تغيير، إنها مُجرّدة من الأحاسيس، أصبحنا نمشي في المُدن كالمجانين، نترنّح نبحث عن معشوقٍ لا نظير له، وحبيبٍ لا مثيل له، لنبني معه تلك القبّة الذهبية التي ستعانق السماء إن شاء الله، ونزحف في ذلك اليوم إلى المدينة المنوّرة كما نزحف إلى كربلاء، لنُشاهد قبّة الحبيب صلوات الله عليه وقبّة الحسن بن علي (عليه السلام)، ونطوف فيما بينهما نبحث عن قبر ضاع في لجّة ظلام أعيننا.

لا تظنّوا أننا سنتخلى عن البقيع، فهوَ محفور في قلوبنا، إلا أنّ الخُذلان أكل منّا ما أكل، وصنع فينا ما صنع، لا تظنّوا أننا نسينا هذه البقعة المباركة، فهي أرضٌ تشرّفت بأقدام النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)، لا تظنّوا أننا سنبقى مكتوفي الأيدي، فإنّ لنا ناصراً سيظهر، وسيمحق الظَلال والظَلام، وسينثر النور، وسيقف الطُغاة مذهولين، من عظمة ما سنصنع في تلك الأرض، سنبكي ونسقي نعش الحسن (عليه السلام) بالدموع لا كما سقته الخونة بالسهام، وسنضع الورود فوق المرقد، ونُقرّ عين الحُجّة (عجّل الله تعالى فرجه)، وستكثُر أنغامنا بين شفاهنا ونُسمع العالمَ دويّ اسم الحسن (عليه السلام)، ونرسم لوحة عشق لا مثيل لها.

لا تظنّوا أننا لن نقيم ذلك العزاء المركزي في ليلة استشهاد الحسن بن علي (عليه السلام) وفي بقعة البقيع المقدّسة، ونطلق تلك الآهة التي تُخرس الليل، وتُرهب الشامتين، إلى متى والدنيا تقسو على شيعة عليّ؟ إلى متى ونحن ننتظر الخلاص أو الموت، ألم نتعلّم سابقاً، أنّ البدايات هيَ أُمّ النهايات؟ إلى متى والبقيع مهشّم الأضلاع، كصحراء مُقفرة؟.

كلّ شيء ينتظر الشهقة الأعظم، والصرخة الأبهر، لابُدّ أن تُشرق الشمس بعد نهايات الليل الطويل، لابد وأنّ يُجاب الدعاء في يومٍ من الأيّام، ولن ننسى (البقيع الغرقد) في كلّ لحظة من لحظات حياتنا.

××

شاهدوا هذا الفيديو، لتعرفوا الجريمة العُظمى في حقّ البقيع ..

httpv://www.youtube.com/watch?v=H8qnKlViq8k

خواطري, ذكرياتي

وداعاً ثامر الباذر

وأطبق الحُزن على عينيه، وأعلن أنّه احتل مُدن قلبه، إنها الحياة القاسية، لم يكن يبكي بل كان يتنفّس، لم يكن يذرف الدمع، وإنما كان يجمع الذكريات لتُشكّل عُصارة البلل التي تخرج من عينيه لتبقى حيّة إلى الأبد، على الرغم من أنّ رائحة الفُراق تصنع مزيجاً من الجنون والموت! إلا أنه كان ينظر إلى السماء بعين مليئة بالرضا، لم يكن ينتظر إلا تجلّي عظمة الرّب في خلقه، فكان له ما أراد وألهمه الرّب قوّة الصبر التي تفوق كل القوى، وكان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مثله الأعلى، فاستلهم الصبر منه ومن بنيه.

طعُم الحياة بالنسبة له مُختلف، منذ زمن طويل، وها هوَ الموت يُمارس جبروته مُجدداً في حياته، وكلّ الأماني أصبحت مُجرّد أحلامٍ تلاشت، لا قُدرة له على استخدامها في حياته، لن يلاقيهم إلا بعد أن يُقرر الباري له أن يحزم حقائبه، ويَركُن جسده في لحدها، أو أن يلقاهم في عالم المَنام، وهوَ أيضاً قاسي، فما إن نحط الرحال في عالم الواقع، نجد أن كلّ شيء أصبح من الماضي الذي ينهش عقولنا وقلوبنا.

 كلّ فصول حياته لا تُعادل فصله الأشد هذا، الموسوم بختم ثامر، رحل الأخ الابن، رحل الصديق المُخلص، وقرر الرحيل مُلبياً نداء ربّه، وترجّل عن الحياة الخادم الوفيّ لمولاه العبّاس بن علي (عليه السلام)، لم يذبل، لم يسقط في فخّ هذه الدُنيا الفانية، وتركَ ذكرى تحوم في أرجاء مجلس الحُسين (عليه السلام) اسمها دمعة ثامر الممزوجة بنوحِه الجميل.

وغادر هذه الحياة، ليحُط ركابه في محضر أسياده ومواليه، في حياةٍ هي الأجمل هيَ الأكمل، وكان كلّ إرثه، حُبّ الحُسين (عليه السلام)، روحه الآن أقرب من الوريد وجسمه أبعد من سماءٍ ثامنة، وداعاً ثامر الباذر.

وفاضت مآقي الأخ الأب، الصديق العظيم، مُحمّد، بحرارة، بوجع يغمس الآه في عتمة الأرض، مليءٌ بالإيمان حبيبي مُحمّد الباذر، مليء بصبر زينب بن علي (عليها السلام)، مُتيقناً بأن ثامر بين يديّ أمير المُؤمنين عليّ (عليه السلام).

××

عظّم الله لكَ الأجر حبيبي مُحمّد الباذر

في 28 من شهر رمضان المُبارك 1432هـ الموافق 29/8/2011 رحل الأخ العزيز والصديق الوفيّ ثامر الباذر إلى ربّه بعد تعرضّه لحادث أليم، ورحلة استمرّت أياماً في هذه الدُنيا.

لروحه نُهدي الفاتحة مع الصلاة على مُحمّد وآل مُحمّد ..

خواطري

محور الأحزان

إنّ الرّب وهبنا قُدرة على السفر بقوّة الخيال، فلا تبخلوا على أنفسكم في هذه الليلة، استخدموا هذه الطاقة الرهيبة، وحلّقوا وارحلوا إلى الوراء، أغمضوا العيون، شاهدوا بعين البصيرة، ولا تقلقوا فإنكم ستصلون إلى معشوقكم لا محالة، تحسّسوا الحيطان التُرابية، إنها ترتجف، ضعوا أيديكم على الأرض، وأنصتوا أما تسمعون صوت البكاء وهوَ يتنقّل بين الذرّات؟ لا تبحثوا كثيراً، فقط شاهدوا كلّ هذه الآثار، إنها الأقدام الصغيرة، وقطراتٌ من لبن مسكوب، إنها هدايا الأيتام لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، هُم واقفين عند داره، يترقّبون خبر شفائه، حاسري الرؤوس، حُفاة، مُرقعةٌ ثيابهم بيديه الشريفة، إنهم أيتامُ عليّ، وقفوا هُنا يبحثون عن نظرة منه، تُطمئن قلوبهم، لأنه ذلك الرجل الذي حضر في الليالي الحالكة ليَطبُخ ليتيم وجبة العشاء، لأنّه ذلك الرجل الذي قرّر أن لا ينام لينام أطفال الإسلام بسعادة، لأنه الذي يبكي لبُكائهم، إنّه الأب الذي قرّر النوم للأبد.

ها هيَ ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك من العام الأربعين من تاريخ هجرة النبّي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ها هيَ تُرخي ستائر الليل، وتُخفي الشمس، وتُحارب خيوط النور، إنها الليلة التي يودّع فيها عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بنيه، إنها ليلةٌ مُثقلة بالحُزن، نبضاتها مُترنّحة لا تجد مجالاً للاستقامة، فالوداع الأخير، يعني أن نثمل ونحن نبكي، وندخل في عالم اللاوعي، ونبكي، ونسقي الأرض دمعاً طاهراً، وبعدها نُشعل العيون بنيران الفقد، لكي لا نُبصر شيئاً، فدمعة مِحور الأحزان زينب، أطهر من أن تُرى، وصوتها أعظم من أن يُسمع، ونورها أجمل من أن يُرى، ستشعرون ببُكائها وترتجفون.

سيُغادرنا الإمام الأب، تاركاً يدُ العبّاس مُعانقة يد زينب، ومُهدياً للحسن كلّ الوصايا، ومُفجّراً دمعة الخلود على الحُسين، ونحن نطلّ من نافذة الحُزن، لنُشاهد النور الذي لا انطفاء له!، يرحل ليُلاقي الأمّة غداً.

في مثل هذا الليل، شقّت السماوات صدرها، تنتظر علياً، وأمّا إمامُنا، فهوَ مُشتاق للقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مُشتاق إلى المكسّرة الأضلاع فاطمة الزهراء، تارة ينظر إلى بنيه وتارة يُغمض عينيه، والنواح من حوله يتعالى، وحروفه الأخيرة لا تتجرأ على الخروج من فمه، لكنّه المؤمن رحمة الرّب الجليل، أدار وجهه ناحية الأبناء وقال: “أستودعكم الله جميعاً، سدّدكم الله جميعاً، وحفظكم الله جميعاً، الله خليفتي عليكم، وكفى بالله خليفة” وتعالت الصيحات، فأكمل، “أشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، رفقاً بي ملائكة ربّي” فعرق جبينه وسكن أنينه وأغمض عينيه وأسبل يديه ومدّد رجليه، وارتحلت روحه إلى بارئها، وساد البُكاء، واسوّد الفضاء، وانقبضت القلوب، واحتلّت بُردة الأحزان كلّ الدُنيا، إنّها ليلة رحيل عليّ .. وداعاً يا علي، وداعاً يا أبي، روحي وأرواح العالمين لك الفداء.

××

عظّم الله أجورنا وأجوركم يا شيعة عليّ (عليه السلام) في حبيب قلوبنا، إمامُنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

××

[box title=”مُلاحظة عابرة” type=”warning” width=”600px” ] بالأمس كانت هُناك محاولة لاختراق الموقع، لستُ أدري ما السبب، ولكنّ إن كان السبب هوَ مقالاتي المكتوبة باسم أهل البيت (عليهم السلام) فليعلم من حاول الإختراق أنني لن أتوقّف عن الكتابة حول محمّد وآله صلوات الله عليهم أجمعين، وعُذراً على تعطّل الموقع بالأمس.[/box]