365

(24) حُلم؟ لا ..

هل أرفعُ إليكَ المأساة؟ أنتَ أدرى. هيَ حُروف أنكتُ بها جراحاتي علّ الصُبحَ يُطل. هل أكتب إليك؟ أنا أكتبني لا أكثر. أحمل في داخلي ليل لا ينقضي، أُغذّيه دُموع افتقادكَ سيّدي ويبقى. ما عادَ لصبري وُجود، كُلّما خاطبته لم أجده، لم يعد لصداه أثر في حياتي، كأنّي تماهيت مع كُل حُزن يخيط ذِكراه في رحلة حياتي. سيّدي إنّ الكلمات لا تنصفني، مبتورةٌ هيَ بلا دِماء، وحيدة هيَ تلوكُ البياض وتبتكر وجودها علّها تنجو من الإبادة التي تمارسها هذه الحياة.

حُلم؟ لا فأحلامي لم يظهر فيها النور. كُل قتلى الأرض يحيطون بفِراشي قبل النوم، كُل صَيحة أطلقها طِفل مظلوم في هذا الكون يَرِنُ صداها في رأسي، وكُل دِماء سالت بغير حقّ في هذه الحياة تُغرق رأسي. حُلم؟ لا. أبكيك في كُل هُدوء يَطأ صدري بِحذائه، أبكيك وأُكاتِبُك عليّ أهدأ. أكاتُبك علّي أرى بعين البصيرة ذاك الصَباح، وأتحسس وجهي المُحفّر، أتلمّس الأمس القريب، أرى انفجاراً يُخفي الأحباب خلف الضباب، خلفَ الموت. أجُرّني لأكتب الموت. فإنّا لسنا بخير، وربّ العباد لسنا بخير. هذه الأيام لم تَترك الخير يَمر من بين خيوطها، هذا المساء يُمزّق كُل خير، هذه السِنين ما عادت تُنفقُ الخير، بل حَتّى السماء حبَست قطرها، كُل رفاقي ليسوا بخير، كُل القلوب التي سكنها رسمُ اسمك وذكرك ليست بخير، سيّدي؛ وربّ العباد لسنا بخير، نهفو إلى لقياك لنكتسي حُلة الخير، حُلة المستضعفين، هلمَّ إلينا سيدي لتقتل التنين الأحمر، لتقتلع رؤوسه السبع ولتَكسر قرونه العشر. هلُمّ إلينا سيّدي، لسنا بخير فالأفعى عاثت في قلوبنا فساداً لا يبرأ إلا بك.

إن من العَدالة أن نبكي افتقادك، كما أنّ من العدالة أن نُسعَد بطلعتِك البهيّة. بين حيرتنا والغموض يَكمن السؤال: متى؟ متى تُمسح رؤوسنا بيدك الحانية فنُبعثُ من جديد، مع الشهقات لتعود الابتسامة إلينا، يا وَعد السماء أمنياتنا عُقِدت مجالسها في كُفوف الدعوات، هيَ لن تشعر بالتيه هيَ الأقدر على الوصول إليك: “ربّ عجّل فرج مولانا”، عجّل فالاشتياق صَنع لنا حواساً جديدة، بلمسةٍ واحدة لشُبّاكِ ساكن كربلاء قد نصل ونَحظى.

متى أصيرُ قوياً لأصفع المسافات لتُمحى الخيبات؟  

××

كُل عام وأنتم بخير بذكرى ميلاد مُنقذ البشرية من هلاكها، إمامنا المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 

 

خواطري

تـيـه

أينَ أخبّئ صرخاتي؟ كيف أمسح دمعاتي؟ صرخاتي هزيم رعدٍ يكرر نفسه في كُل مصيبة، دمعاتيَ خناجر خرجت من عيني لتوسم خدّي بالجروح. يحيط بيَ منظر القتلى وأشلاؤهم المتناثرة بعد الصلاة، صاروا تعقيبات واجبة!، تحيطني لقطات الأمهات الفاقدات أتذكّر لحظة “يمّه ذكريني من تمر زفّة شباب” ولا تخرج من خيالي لحظة “لا ليلي ليل الناس لا تغمض العين”، إن القَتل مزّقنا فيما مضى ولا يزال، واجتمعنا على مائدة التضرّع والنداء بحق من هوَ المُضطر المُجاب إذا دعاه.

أفكاري

أسئلة

(1)

سؤال البقاء “مَتى نَنْتَقِعُ مِنْ عَذْبِ مائِكَ فَقَدْ طالَ الصَّدى” وسؤال الاشتياق “أين استقرّت بك النوى؟” وسؤال الحب “اَتَرانا نَحُفُّ بِكَ وَاَنْتَ تَاُمُّ الْمَلاَ؟” وستبقى الأسئلة تدوّي في كُل حين لا كُل جمعة، متى نمسح الشتاء من فوق أعيننا؟ متى نحارب الصحراء التي سكنت قلوبنا؟ متى نناديك “يَا بْنَ الاْطائِبِ الْمُطَهَّرينَ”؟ متى “نُغاديكَ وَنُراوِحُكَ فَنُقِرَّ عَيْناً”؟. 

أفكاري

حبسنا الدُموع في سطر

“فهاك قلّبها قُلوب الورى، أذابها الوجدُ من الانتظار”

سيّدي تحطّمت أضلاعُنا، كُسّرت أسنانُنا. سيّدي بُقرت بطُوننا وانتُزِعت أحشاؤنا. سيّدي اخترقت رصاصاتهم قلوبنا، وسُبيت نساؤنا كما لم يُسبى اليهود في السبي البابلي!، سيّدي دعني أخبرك بما أنتَ أدرى به، لأشفى بالكتابة إليك لأكتب المزيد من أجلك وإليك.

حبسنا الدموع في سطر، والألم في كلمة، سيّدي نحن ننتظر ولا نعمل، قلوبنا هَرِمت، لم تعد تقوى على المزيد لولاكَ أنتَ يا صاحب القلب الكبير، فشلنا في اجتياز الاختبار، ولا نجد سبيلاً للعودة إلا عبر نداء “يا لثارت الحُسين”، انتحرت رغبتنا في الحياة وصرنا نبحث عن الاختفاء، صرنا نبتكر أعذاراً سخيفة لنبتعد عن كُل شيء، إلاَك أنتَ نُفتّش عنك في كُل مكان حتّى ما بين الكلمات نبحث عن قطرة نزفت حين “لأبكين عليك بدل الدموع دماً” نبحث أثر لقدمك الشريفة في كُل مكان “أبرضوى أم غيرها، أم ذي طوى”، نحن المُقصّرين، فالكُنوز بحاجة إلى جُهد جهيد للوصول إليها، والأرض تحتاج للانتظار حتّى تُخضّر مساحاتها، والإنسان صاحب الظل الذي يبتلع كُل ما هو جميل لا يقوى على الجُهد الجهيد، ولا يمتلك صبراً حتّى يصل إليكَ سيّدي، فخُذ بأيدينا وأنقذنا مما حصدناه.

بحث بعضنا يا سيّدي عن أن يكونوا نسّاكاً في هذا الزمن الخَرب، إلا أنّهم فشلوا، فكُل الكهوف مكشوفة، وكُل الصوامع مُغلقة بداعي الانفتاح نحو النهاية!، وساوِس إبليس لم يعد بعضنا بحاجتها، فنفسه الأمّارة بالسوء التي ملأت الدُنيا صياحاً ونياحاً نجحت في تدميره في لحظات الاختبار، وفي الختام لا نجد منه إلا عثرة قاتلة تقوده للهلاك!.

أمتلك في جُعبتي المزيد يا سيّدي، وكُلي علمٌ بعِلمك، إلا أنني أبحث عن صدر يحتمل بثّ شكواي، عن صدر يحتوي كُل دمعة مظلوم، كُل صرخة أم فقدت ابنها في غياهب حربٍ كونية لا نهاية لها، أبث هذه الشكوى إليك وإليك وحدك، فأنت المُقدّس الذي يحتمل الأحزان السرمدية وأنتَ الذي لا يعوّض حضورك أحد، أنتَ يا سيّد الأكوان لستَ قمراً فهذا المُسمّى قمر يأفل نهاراً ولستَ شمساً فهيَ تهرب ليلاً وتستسلم لستائر الليل، لستَ حياةً مُتغيّره، أنتَ ثابت بديع لا شبيه لك في هذه الحياة، لحضورك يا سيّدي علامات يعُلنها لنا الكون الفسيح، لأنّك فريد، لأنّك الثمرة العُظمى.

سيّدي، أعتذر لك.