أفكاري

جرح آخر

بقايا الجُروح المَركونة في صدر التاريخ، مُبعثرة الدماء، لكنّها لم تتلاشى، تعلّقت بذكريات آل هاشم، جُرح غاصَ في جسم السِبط الأوّل، حفرَ الخلايا، مزّق كبده، حتّى انتشر اللون الأصفر على مُحياه، والجُرح الآخر فتُح على صدر نعش ابن بنت النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) بأسهم الخيانة التي اشتبكت مع جسده الطاهر. بقايا الجُروح تكوّنت على شكلٍ شابٍ في عُمر الزهور اليانعة، يتحرّك فيأنس الكون برائحة الإمام المُجتبى (عليه السلام)، يتحدّث فتتعطّر الكلمات بحضورها في فمه، كانَ جَرحاً غائراً، هوَ من وصفه سيّد الشُهداء (عليه السلام) بـ “أنت من أخي علامة”. 

أفكاري

عن العبّاس

مرساة ثقيلة كانت تُكبّل الكلمات تجذب الأيتام اتجاه البُكاء بلا دموع، رسَتْ قلوبهم على شاطئ العبّاس، وجوه نحيلة تشير بأعينها اتجاه النهر، فالشفاه الذابلة غير قادرة على الحركة، القُروح ظهرت في مُختلف أنحاء الأجسام التي اعتصرت أنفسها علّها توفّر الماء لكُل هذا العطش الذي هجم مُمزّقاً كُل ما هوَ رقيق في عالم الطفولة، الأعين جحظت، والقلوب تفتّتْ، والأيادي تقرّحت، والأرجل لم تعد تقوى على حمل هيكل العظام المكسو بثوبٍ شفّاف يُسميه البعض جِلد إلا أنّه في يوم عاشوراء افتقد خواصه البديعة، وصارَ حارقاً مؤلماً جافّاً لا شبيه له، صارَ وزناً زائداً عن الحاجة في لحظة الفرار من نيران الخيام. 

أفكاري

أعرفُ رجلاً

أعرفُ رجلاً من بني هاشم هزَم قصر الإمارة القابع في الكوفة، هذا الرجل لم يخضع. لم ينحني لهم، حاولوا اخماد صوته إلا أنّه اعتلى. ارتقى. صال وجال في ساحة التاريخ، ترك اسماً نقياً لم تشبه شائبه. قالوا في زمنٍ ما أن القصور أبقى من البشر، إلا أنّ هذا القول كُسر مرّات ومرّات، تبقى أسماء العُظماء ويُبلى البناء الطيني/ الحجري، لا تموت الأفعال، لا تموت الأسماء. بقيَ مُسلم بن عقيل (عليه السلام) محفوراً في القلوب. مُسلم هوَ الرجل الذي هزَم القصر.

تكبيرة الموت صدحت باسمه في الكوفة، ما هيَ قيمة الحياة أمام الحُسين (عليه السلام)، مُسلم بن عقيل (عليه السلام) “السفير” الذي هوَ منه. لم يترك الموت يأخذه اعتباطاً، بل هاجم الموت بكل جُرأة، وتقدّم ليكون أحد المستشهدين في خِدمة الإمام الحُسين (عليه السلام)، حتّى وإن كان على مسافة أشهر، تسلل الموت خلسة من خلفه، قضم بأسنانه على حياة ابن عقيل، غُصّة تعلقت بحبال روحه، حشرجة تأبى الظهور على سطح الإمارة، لا تحمله خطواته المُثقلة ليتّجه ناحية الحُسين (عليه السلام) أومأ برأسه، أشار، سلّم السلام الأوفى، بيقين العارف العالم، أرسل الرسالة الأخيرة، بأنين تهشّمت له حيطان قصر الإمارة بصوتٍ يتقطّع بأنفاسٍ مخنوقة طريق خروجها ودخولها مكسّر، مُهشّم، مليء بالعظم المسحوق، والدماء، إلا أنّه نطق السلام الخالد “السلامُ عليك يا أبا عبدالله الحُسين”.

هذا السلام العظيم وصلَ مكسوراً مليئاً بالدماء النازفة، مليئاً برائحة التُراب بصورة مُسلم وهوَ يُرمى من فوق قصر الإمارة؛ وهوَ يُسحل في أسواق الكوفة، “السلامُ عليك … ” ودمعة عظيمة نزفت حافرة أخدود عميق في وجه مُسلم، هوَ الفقيه الذي قيّده الاسلام من الفتك، هوَ العارف بما سيجري على جسد الحُسين (عليه السلام)، وصل السلامُ بشكلٍ واضح على رأس حميدة، أيتمها هذا السلام الدامي، بمجرّد أن مسح على رأسها حتّى شاهدت تلك اللحظة التي هوى فيها والدها/ حبيبها على الأرض، تلك اللحظات القصيرة طالت وامتدت في خيالها حتّى تساءلت وبكت وأبكت، اليُتم الحارق أطلّ برأسه فوق قافلة الحُسين (عليه السلام).

××

ليالي عاشوراء، تُفلتني من جسمي، تُجبرني على السفر ألف عامٍ وبعض، لأبكي، لأدُمي، لأضجّ، لأشعر.

أفكاري

لن يُروى ..

لن يُروى هذا العطش، ولا تملّ هذه الأبدان، هيَ مُشتاقة ومُستعدة للفناء في خِدمة الإمام الحُسين (عليه السلام)، هُم مُخلصين بشكلٍ لا يُمكنني وصفه، هُم مجانين –عُقلاء- تجدونهم منذ اللحظة الأولى يقارعون الوقت لإقامة أفضل مأتم عزاء، منذ الليلة البِكر، تلك التي ترفع هلال الموت على صدرها، منذ تلك اللحظة ترى الحُزن وهوَ يتمثّل في هيئة بشر، تراهم عُطاشى وما هُم بعُطاشى، هُم يشتاقون للتقرّب من الحُسين (عليه السلام).

خُدّام الإمام الحُسين (عليه السلام) هُم أنتم، جميعاً، من يحضر المجالس، من يُساهم بكلمة لإحياء الشعائر، من يشجّع الآخرين على صُنع شيء لأجل الإمام الحُسين (عليه السلام) أن تتنفّس وأنت مكروب لأجل اسم الحُسين، أنتَ بشكلٍ ما خادم من خُدّام هذا الاسم المقدّس، لا تتهرّب من هذه الخدمة العظيمة، فالأيّام تمضي والعُمر ينقضي، ولا تعود بنا عجلة الحياة أبداً، في كُل لحظة نشعر بالتقصير فيها علينا بذل المزيد، هل تعرف شخص يمتلك مهارة في أمرٍ ما؟ أخبره بأنّه مُهم ويُمكنه الخدمة عبر هذه المهارة، ولا أخصّ هُنا الفنون المُختلفة بل وحتّى الأطبّاء يُمكنهم الخدمة، المهندسين يُمكنهم هذا الأمر كذلك، والإداريين المتخصصين يُمكنهم أيضاً خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) وتطوير المجالس الحُسينية لتكون أكثر تقدّماً وعطاءً.

كُل شخصٍ مسؤول، أنتَ مسؤول عن الخِدمة، لأنّك إنسان تُصلّي وهذه الصلاة العَظيمة أنقذها الحُسين (عليه السلام) من الهلاك على أيدي الطُغاة، وفي كُل صلاة أنتَ مدين لدمه الطاهر، هذه الخدمة رسالة وصلتنا منذ مئات السنين، ونحن مسؤولين بشكلٍ مباشر، دون رميها على الخُطباء أو الرواديد أو الشعراء أو … الخ، هؤلاء جُزء من الرسالة، نحن من يصنعهم، نحن من يُخبرهم بأننا ندعم إبداعاتكم، هذه المسؤولية ثقيلة، خطيرة.

  • أين كُنت؟
  • جنب النهر.
  • ..
  • شججت رأسي.

لا يوجد لون مُحدد من ألوان الخِدمة، أخذك طفلك إلى المجالس الحُسينية وتعليمه ممارسة شعائر حُسينية مثل اللطم والبُكاء والتطبير وغيرها من أشكال الجزع على سيّد الشهداء (عليه السلام) هوَ خدمة مُهمّة للأجيال القادمة، هُم حملة الرسالة التي ستصل إلى المستقبل، فتفكّر ماذا سترسل معه؟ خِدمة وعطاء، أم جفاء؟ وتذكّر .. إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد ابداً”. وهذه الحرارة تتقّد في القلوب بممارسة الشعائر الحسينية والخدمة العظيمة.