أفكاري, خواطري

سأَلَني زائر

ماذا يُمكنك أن تأخذ أنت الزائر لإمامك الحُسين (عليه السلام) بمناسبة الأربعينية؟ ماذا ستفعل في الطريق؟ كيف سيمضي الوقت؟ وهل الطرقات مُهيّأة للمُشاة؟ سألني مثل هذه الأسئلة بعض الأصدقاء، وفعلاً لم أتمكن من الإجابة في وقتها، واخترت الصمت، أمّا الآن وبعد اقتراب ليلة الأربعين المُشجية، بإمكاني القول بأنّ هُناك ما يجب عليكَ أن تأخذه معك، وما يُمكنك فعله في الطريق. 

خواطري

معكم

الحُسين (عليه السلام) لغة لا يفهمها البعض، والبعض الآخر حائر في معانيها!، هو عالم لوحده، هوَ أكبر من نحتويه بأفكارنا وخيالاتنا، لنرحل مع المتجهين إلى أكبر مدن الحُب، تلك المدينة التي تفتح ذراعها للملايين في لحظة واحدة دون أن تشعر بالضجر، يتلقي فيها كلّ مشتاق لرائحة البطولة والشجاعة بقتيلٍ خضّب رأسه بالدم، مُلقى على جانب نهر العلقمي، ويُشاهد ملحمة البقاء الأبدية، تلك التي تتوارثها القلوب، وترويها البصائر، لا تتحدّث كثيراً فقط شاهد فأنت الآن في ساحة الخلود (كربلاء).

توقّف هُنا وانتحب واخلع قلبك، وانفجر بُكاءً، فالحياة هُنا أصبحت ذات معنى، هُنا علّمنا سيّد الشُهداء -روحي فداه- كيف يمكن الانتصار في ميدانها المؤلم، هُنا أهدى الحُسين (عليه السلام) قرابيناً من أرواح لحفظ دين الله القويم، ومن هُنا انطلق ركب السبايا وفيه عقيلة بني هاشم فخر المُخدّرات زينب بنت علي (عليها السلام)، لا تتجلّد واجزع فالحُسين (عليه السلام) وبنيه أحق بالدمع والهلع من أي شيء آخر، دمعُك الغالي هُنا ابذله بكل شغف ورغبة، فأنت الآن في حضرة أعظم شهيد في تاريخ البشرية، أمام من قطّعته السيوف وتهاتفت عليه الرماح، أنت الآن تقف حيث ارتقت الخيول صدر الإمام الحُسين (عليه السلام) فلا تقرأ حرفي وتصمت، أغمض عينك، وأنظر بعين القلب شاهد ذلك المُجرم الذي يهرول بحثاً عن شيء يقتنيه، فقطع خُنصر الحُسين -روحي فداه-!، شاهد الجريمة العلنية التي ارتُكِبت تحت صدر السماء المُمدّدة، وادخل في جوف المرقد الطاهر، لترى المزيد.

لا تهرب، ترقب، فموكبٌ حزين سيحضر من أطراف الشام إلى حيث أنت، محمل فيه من سمعت صوت تكسّر أضلاع الحُسين (عليه السلام)، وفيه من فقدت طفلاً وأهدت دمه للإله، وفيه حكايا الموت مُتجمّعة بلا هدوء، كُن في استقبالهم، فأقدامهم دامية، تقرّحت من المسير والضرب، وشفاهُهم ذابلة من العطَش، لكنّهم دون صغيرة الحُسين رُقيّة (عليها السلام) فهيَ قررت اللحاق بركب القتلى في ظهيرة عاشوراء، ليكُن قلبك طاهراً وبدنك طاهر، واستقبل فيضاً من نورهم جميعاً، وليسمع العالم تلك الصرخة التي هدّمت عروش الطُغاة .. (لبيك يا حُسين).

××

لجميع من هُم الآن يجلسون في المنازل، ولم يُكتب لهم شدّ الرحال إلى الحُسين (عليه السلام)، كُن مع المشّاية، بروحك العظيمة واخلع ثياب البدن، وارتق وكُن من الذين يتقلّبون على قبر الحُسين (عليه السلام).

وكلّ من يقرأ هذه الكلمات وهوَ هُناك في ساحة العَظمة (أسألك بالله أن توصل سلامي لمولاتي زينب عليها السلام) وإن تمكنت فاذرف دمعةً وسجلّها باسم خادمكم جميعاً.

خواطري

أبجديات + هدية

مهلاً فكلّ الأبجديات فقدت حلاوتها، وكل الحروف سقطت ذليلة وخاشعة أمام حضرته!، هي ثمانية وعشرون حرفاً ضاقت بها دفاتري وحناياي، أبحث عن حرفٍ جديد أصوغ به لوعة وحسرة وبكاء وشيء من وفاء، هذا الحرف سأكتب به كلمة من خلف التكوين له هوَ فقط، سأصنع لكلمتي هذه هيبة مَلِكْ وسطْوَة جيش، تكتحل بها العيون، وتلتحف السماء مُتألقةً بالنجوم، لا تتكرر كبصمة الإصبع، هل تكررّت بصمة إصبع مدى الدهور؟.

يا مولاي الوصول إلى قلبك مُكلف وأنا رجلٌ مُعدم، فهل تقبلني خادماً يبحثُ عن حرف جديد؟!، فالوصول إلى حضرتك أصدق من حقيقة وأجمل من حُلم وأكثر فتنة من سحرٍ مُبين!، سيّدي هل لي بسؤال؟؛ لماذا لا تزال خطواتي إليك تزّين متحف قلبي وعقلي؟ ولماذا دمعاتي صارت أكثر حُرقة تحت ستائر الصمت؟، سيّدي بعد السجود تحت قُبّتك رأيت في المنام احدى عشر زهرة خرّت لدمعاتي ساجدين، وفي الليلة الخامسة بعد الألف بكيت حتّى ابتلّت السماء بالمطر، تحت ذلك شعرت بأنّي سأنطلق نحو عالمٍ جديد، وهناك قد أمكث ألف ألف عام أو ما يزيد، ولن يكون لي ثمن، هل كل اللوحات الفنيّة تقدّر بثمن؟.

من يا تُرى يملتك الجُرأة ليرحل إليك؟، سيّدي أحببتَ الرّب وأهديت قربانك الأعظم لتحفظ الإسلام، فمنذ يومك شبعت الأرض، ولم تكن بحاجة لقرابين، إلى أن جئنا نحن وخطايانا نحملها بأيدينا المُلوّثة، وبعضنا يحمل في قلبه الخطيئة الكُبرى، ونبحث عن السلام والحُب والاستقرار، يا سيّدي نشعر بأننا تائهون نسقط بين الحين والآخر في حفرة لا نهاية لها، ولا نستيقظ إلا بعد أن نشاهد نورك البَهي يُشرق في سماء هذه الحفرة.

سيّدي يسخر من الجُروح من لا يعرف الألم، وتتكسّر خزعبلات كلماتهم عندما يتجلّى العشق في المسير إلى نحرك!، فلا سياط الشمس تثنينا ولا جبروت البرد يوقفنا، وقرابيننا نحنُ وأنا وكل ما فينا!، وجُثث الولاء تتساقط كما أوراق الخريف مُختزلة عطاء الأرض، إنّ الحضور إليك ليس مقبرة جماعية، ولا صخرة تتحطّم عليها مشاعر الجماهير، بل أنتَ كلّ شيء مُمكن، وكل مبدأ وقيمة فأنتَ أضفت القيمة الكُبرى التي اسمها (الحُسين).

سيّدي عشّاقك يتسوّلون من عينيك نظرة، ويبحثون عن يدك الحانية لتمسح بها على رؤوسهم، وبعدها تلهج القلوب بأسمى آيات العشق، ولن يُبدد الظلام فضياء الشمس باقٍ، حينها ستجمع كافّة الأوراق وسنشاهد في جميعها أنتَ، ولن تُسدل الستائر فالقلوب ستبقى تنبض بـ (يا حُسين)، والسؤال متى تُداوى شفتيك سيدي؟ لتُشرق من ثغرك ابتسامة وتداوي أرواحنا، وكربلاء تصلح لتكون وطناً لكلّ عاشق ومُغترب، فهي مليئة بكَ، وظمأ الأيّام يُطفأ عبر استنشاق ترابها، والبكاء ما بين أطرافها يأخذنا إلى عالم الأطياف ونُشاهد ما جرى.

بدائيّ الهوى أنا (يا أبا عبدالله)، أحبو ببطء وأتمرّغ بخيوط الشمس، وأتعلّم فنّ تدمير الأغلال وأنسكب على جبين التُراب، باحثاً عن ما تبقّى من دم نحرٍ منحور، لألوّن جدران الكون بذلك اللون الأحمر، وأنثر عطراً مقدّساً يطفو فوق صدر السماء، وأعلم بأنّك ستملأ الأرضَ حباً بهذا العطر، وستختنق حكايات الغرام، وستنزوي كلّ وردة لم تصبغ بدم الوريد، وسأُبْقي لنفسي زاوية الهدوء والبكاء والنحيب أنطق أوّل حروف الأبجدية وأنحت حروف اسمك وأطوف حولها سبعَ أشواط بهيّة، لم ولن أعشق مملكة لا تكتب اسمك، وسأرجمها سبعاً وأنادي (الله أكبر).

كم أشتاقكَ أيها الشهيد، كم أشتاقك، …

××

والهديّة هي ..