أفكاري

سقطت الأقنعة

سيّدي هجمت الأيّام بكلّ قواها علينا، سيّدي انحنت ظهورنا بفعل الضرب المستمر، سيّدي سقطت ضحايانا في كل شارع، سيّدي لم يعد للأطفال متسَع من الوقت ليكبروا، ونسيَت الأمّهات أنّ الموت المفاجئ شيء مُخيف، وتذكّر الطُغاة كلّ أشكال اللذة المُحرّمة، سيّدي أما آن الأوان لنكبر ونكون شيئاً آخر؟.

سكن الضياع في عقولنا، وأكل على مهل كلّ ما تبقّى من أفكارنا، فلم نعد نبصر من الألوان إلا اللون الأحمر، وشيء من لون الرماد، هوَ التيه بعينه، لم تعد للثقة مساحة في هذا الكوكب، أصبح الكائن البشريّ سِلعة مُجدداً، ولكن هذه المرّة يُباع وهوَ مُفخخ بقنبلة مُستعدة للانفجار بعد أمر المُشتري، نسينا معنى الراحة النفسية، والاطمئنان الداخلي، والسلام العالمي، فالدمار أصبح سيّد الموقف، والحياة أصبحت لا تُطاق، فتنين الدمار قادم، يفحُّ نيراناً من حقد، تُطفئ قوّة الخير فينا شئنا أم أبينا، والأنا سيطرت بكل قواها مع حضور كل مُنعطف، فانسلخ الطفل عن أمّه ورمى الأب أطفاله في المحيط بحثاً عن الخلاص، فالألم لا يُطاق، سقطت البشرية في الوحل، أخيراً بعد طول انتظار، عزفت الشياطين لحن الانتصار –المؤقت-، ورقص التلاميذ وهُم عُراة، مُعلنين التمرّد النهائي، قبل الموت، وقبل الرحيل إلى العالم الآخر.

كل الأقنعة باتت مُهشّمة، الكُل ظهر على حقيقته، فالكلب الضاري أصبح لا يهاب الظهور دون قناع البشرية، ينهش كُل من هُم في طريقه، بحثاً عن المُتعة لا عن شيء آخر، والضبع المُتلبس لباس الإنسانية أصبح لا يتورّع أبداً، فالجيفة لم تعد تستهويه، أصبح يأكل النساء والأطفال علانية، دون أن يتحرّك أحد ليردعه، يشوّه وجوههم بداية بمخلبه لكي لا يتعرّف عليهم لاحقاً وهوَ يأكل لحومهم، فقد تكون أخته أو ابنه من يأكلهم، ولم يعد يختبئ بعد الجريمة، بل أصبح يظهر علانية في القنوات التلفزيونية ويخطب ببعض كلمات الرثاء المؤلمة ليُبكي بقية الممثلين الفاشلين الذين ينتظرون أن ينساهم الموت، ولكن هيهات، حتّى الذين يظنون بأنّهم نسور في هذه الدُنيا، سيقنصهم الموت بطريقةٍ كَتبها في دفتره لهم خصيصاً، فهُم تكبّروا حتّى تجبّروا وظنوا أنّهم أعظم المخلوقات، سكنوا الأبراج العُليا خوفاً وطمعاً، إلا أنّه سيضع يده عليهم في يومٍ ما.

رغم كل الوحشية، ورائحه اللحم البشريّ المشوي، ومنظر الجلود المنزوعة عن الأبدان طوعاً، ورُكام الأسنان المُكسّرة، ووديان العيون المخلوعة من محاجرها، إلا أنّني أؤمن بأنّ الغد أجمل، وأن البهجة ستعود هيَ مصدر الطاقة الأعظم، لا الكراهية والحقد.

أليس الصُبح بقريب؟

(*) اللوحة للفنان niuner – http://niuner.deviantart.com

أفكاري, خواطري

بين حُلمٍ وأمل

لحظاتكم كلّها مُعطرّة بالأحلام، فاغمسوا الخبرَ في إناء الخيال، واعبروا ناحية المستقبل المُشرق، ولا تقنطوا من الرحمة المودوعة في قلوب البشر، أعلم بأنّ الصباحات باتت مُعتمة، كلّ الوجع يُشير إلى الدمار، وكلّ الصراخ يقودنا إلى الجنون، وأصواتنا قد صُيّرَت صمّاء، وآنية زُجاج هُشمت في طريق العابرين، إلا أنّ شيء من الكرامة هوَ ما تبقّى في يد الخبّاز كي يخبزَ تلك الخُبزة التي سنغمسها في إناء الخيال.

دعونا نحلم، فكلّ أمانينا فُتات، ففي تمام الساعة الحادية عشر بعد الموت، لن يكونُ هُناك حُلم، ولن يكون هُناك ضحك، كلّ ما سيتواجد حولنا سيكون حقيقةً لا تشوبها شائبة، لا خيال ولا فرار، ولن يكون هناك انتظار، فرفيقنا الدائم “الموت” لا ينتظر أحد، وستُملأ القوارير بالحُزن الدائم فوق صدر الأرض، وسنُحاسب في قبورنا عن كلّ فكرة وخيال، ولن نمارس عادة الهرب التي نمارسها الآن في كلّ حين، وستُغرس في التراب الدموع الجارية فلا مأوى ولا حضنُ يحميها من الضياع، ولن نهرب حتّى وإن طعنّا أنفسنا بخناجر فضيّة، فأما الآن نحلم أو سنبقى مُقيّدين بواقعٍ مليء بالضياع، وبه لونٌ من الخُسران المُبين.

اتركونا نتوشّح الجمال ونُعلن حالة الاستقرار، وننادي النور أن احضر واهطل كالمطر، واسقي أرواحنا بطهر السماء، فحينها سيوزّع القمر فاكهة السهر على العشّاق، ولن يكفر الناس بالحُب، ولن تُخمد الأقلام التي ستكتب الأحلام، والبحث عن الأمان في ظل الحروب والدمار والطغيان، فنحن لم نقم باختيار أقدارنا إلا أنّها قررت اللحاق بنا، لتُعانقنا كذئاب تشتهي افتراس أجسادنا، لكنّنا نصنع مُستقبلنا، لهذا سنحكي ثُم نروي كلّ ما كان ناجح، كلّ ما كان صالح.

التحدّي الحقيقي الذي نواجه عقباته في كلّ يومٍ من أيّامنا، ليسَ التحدّي ضدّ عديمي الإنسانية وضدّ جموع القتلة، التحدّي ليس من أجل البقاء والصراع على بقايا كِسرة خُبز مُلقاة هُنا وهُناك، إنّ التحدي الأصعب في ظل هذه الظروف المُروّعة هوَ كيف نرتقي بأنفسنا؟، فعلاً علينا إيجاد الإنسانُ فينا، فمن دون ذلك الإنسان بالتأكيد سنغطس في مُستنقع الظلام، في عصرنا هذا الأهم هو الفرد المُبدع، الذي لا يترك هذه الدُنيا دونَ حلمٍ جميل يُحققه بشغفٍ أجمل، في حياتنا الآن كلّ ما فينا يبحث عن التنافس مع الآخرين، علينا إيجاد السبيل لمنافسة أنفسنا، لمُحاسبة ذواتنا، لنضع الميزان علينا، كي نصل إليهم.

منذُ زمن،

أحاول فهم مُعجزة “أنتَ”!.

 

××

أنقطاعاتي القادمة ستكون بسبب (بدايتي بكتابة روايتي القادمة)

خواطري

مسرح

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي الزهراء محمّد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين

ما إن تبتَلّ روحي دمعاً ساخناً، ما إن تَعلق أمطار الوجع في قمّة رأسي، أصاب بشيء من الجنون، فأشاهد ذلك الخيط الواهن من خيوط الظلام يهيمِن على المسرح الذي تُقام عليه أهمُّ أحداث العُمر، وينادي من هُم على الضفّة الأخرى للعبور وغزو الخشبة التي يعتليها كبار القوم!، وأتفرّج كسائح لا يعرف أحداً، أهرب من طغيانها، وتتثاقل قدماي والهواء لا يكون كافياً، كائن يسير مُترعٌ بالجبروت والحُزن!، يجوب المساحات الفارغة ليملأ شيئاً منه فيها، يتأمل الحضور، ويستهلك جُرعات ضخمة من الأمل، يُحدّثهم عن ماضيه وحاضره، ويتساءل هل بإمكانكم أيها الجاثمون على صدر الحياة العودة إلى حياتكم الأولى؟، إلى أمسكم وأنفسكم، هل بإمكانكم أن تعودوا كما كنتم، أي قبل حضوري بقليل!.

وبصري لا يبحث عن غيره، فهو يَحكُم المسرح ويُمسِك بكل النواقض ويغرسها في أرض المُمثلين، فتارة يزرع نبتة الفرح، وأخرى يغرس وردة الحُزن!، وأحياناً كثيرة كُنت أراه يحاول زرع شيئاً من الأمل واليأس دفعة واحدة، لا مرفأ له، سوى بعض الطرقات الشاحبة، والسكك المهترئة، والغريب بأن الفزع لا يدبّ هؤلاء جميعاً، بل إنّهم يرتشفون شيئاً من رحيق هذا الخيط المُظلم، قد يكون هوَ أصدق ما في حياتهم، كفصل الخريف يقتطف كلّ شيء ليهدينا ربيعاً جميلاً.

مع أوّل مخاض للذاكرة، أجدني في شارع من شوارع عقلي المليئة بالحُزن السرمدي!، أثق بأنّ الحزن الذي أراه ها هنا لا تعرفه القصور، فكل شيءٍ هنا يمنحني قسطاً من البكاء!، ففي شوارعي أجد كلّ الماضي يتجمهر ليعلن حالة العصيان ويغزو سفينة النوم، كل شيءٍ فيّ يستسلم لنوبات البكاء العديدة التي أصرع فيها في كل مرّة.

[ أيقنت في لحظة من اللحظات الكثيرة بأنّ الظلام هوَ سيّد الموقف، إلى أن يُطل الصبح ليعلن الانتصار، ويعاود الظلام هوايته في بتر خيوط النور وعزف الألحان الملية به عبر قيثارة حُزن ]

كل ليلٌ وأنتم أقرب إلى الله جلّ جلاله.