365

(21) نكتب ونمسح بتكرارٍ مُمل

هل حصل وفتحت جهازك للكتابة وقُمت بكِتابة “قَتل الصَبيّ أمّه، بعد أن طعنها بسكّين سرقه من على الطاولة. بعدها خرج إلى الساحة وبدأ بلعب كُرة السلّة مع الحائط” بعدها قُمت ومسحت هذه الفقرة. وشرعت مُجدداً بالكِتابة “قتلَ الصبيُّ أخته، ودوّى صوت الطلقة في الأرجاء، لم يرتجف، بل جفلَ ولم يتحرّك. صرخَ بصوتٍ عال: أنا آسف”، بعدها تتوقّف قليلاً ثُمَّ تَقرأ الفقرة بعدها تُفكّر بشكلٍ جاد، تضغط على زر الحذف بكل هدوء وتكرر الضغط، وبعدها تقوم بإعادة الكِتابة تبدأ بـ “وقفَ على الشُرفة ينظر إلى الأسفل، ينادي أمّه: إنّي قادمٌ إليكَ قريباً، فقط ساعديني على القفز، وسأجدُكِ حتماً في الجحيم”. بعدها تعاود الفِعل السابق، تمسح كُل ما كتبت. وهكذا تكتب وتمسح تكتب وتسمح. وبعدها تبدأ بشتم “جهازك، وعقلك، وكِتاباتك، والحروف”.

365

(20) اشياقُكَ فتّنا

غِيابك يَنهشُ بقايانا، أذلّاء نبحث عن عينٍ ترعانا، فكُلنا لم يعد مسؤول، والرعيّة ضاعت في غياهب جُب هذه الحياة، أينَ استقرّت بكَ النوى؟ فالغياب يطوي كُل صَبرٍ هزيل، ويُقصي كُل صديق قريب. متى تُمطر السماء؟ حتّى الغيم يتنكّر مُرتحلاً عنّا. لم نعد نعلم أيّ جُمعةٍ هذي، فالماضية كالقادمة، وكُل ما يهمّنا غائبٌ عنّا، والغياب لا يُشبه الموت، فالموت يُقصي كُل سؤال. وأسئلة الغياب تُؤرقنا، فمتى؟ وأين؟ وكيف؟ وإلى متى؟ حشدُ لغةٍ صار فارغاً من معانيه، فكُل سؤال يبحث عنكَ أنت.

365

(19) نحن بحاجتك

لستَ متأخراً أبداً، أنتَ الآن في المكان والوقت الصحيح لاختيار هوايتك، لاختيار طريقتك في هذه الحياة، لم يمضِ الوقت، أنتَ الآن قادر على القراءة، قادر على الاختيار. هل ترغب بالكِتابة؟ ابدأ الآن فبمجرّد أن تبدأ ستجد نفسك في حالة مرضية، أسميها “لعنة الكتابة”، ستكون تحت رحمة الأفكار التي قد تأتي إليكَ لتكتب نصوصاً تُدهشنا فيها. فقط تذكّر أنتَ لستَ مُتأخّراً أبداً.

هذه الأعذار الواهية التي نلقيها في طريقنا عمداً، هيَ من تجعلنا لا نصنع شيء في هذه الحياة، ولا نُكمل المشاريع، اليوم تحدّث خالي العزيز “عيسى” عن صديق له فاق عُمره الـ 60 عام، تمكن هذا الرجل من الحصول على شهادة الدكتوراه في مجاله بعد أن بلغ هذا العُمر، لم يَمسح لنفسه بأن تتجبّر وتُخبره بأنّه كبير بالسن ولا يُمكنه تذكّر شيء. بل قاتل هذا الرجل للحصول على هذه الشهادة. هذه الأعذار التي نبحث فيها لنفسنا عن مخارج أمام ضمائرنا التي تنهشنا لتُحقق شيء هيَ من يُحطّمنا في غالب الأحيان.

يُحكى أنّه في مدينة من مُدن العِلم وقد تكون مدينة النجف الأشرف، كان هُناك طالب علوم دينية كبير في السن، لم يَكُن يُحسن القراءة والكِتابة حتّى وقت مُتأخّر من حياته، تعلّم القراءة والكِتابة بمشقّة كبيرة، وبعدها بدأ بطلب العِلم ولم يكن يمتلك أموالاً تُسفعه للحياة بكرامة في كثير من الأحيان، لهذا كان يدرس تحت ضوء قناديل الشوارع وبعِبارة أدق “قناديل الحَمّامات العمومية”، عِندما سُئل بعد فترة من الزمن، لماذا كُل هذا أيها الكهل؟ كانت إجابته ببساطة أن الشغف قاده لهذا الأمر، وأنّه سيكون حُجة على طلبة العِلم الكُسالى، الذين توفّرت لهم كُل سبل الراحة.

أعذرانا نحن الكُتاب أو الذين يرغبون بإنتاج المُحتوى الإبداعي واهية جداً، نحن في زمنٍ تتوفّر فيه أدوات الكِتابة بين أيدينا، ويُمكننا النشر متى ما شئنا، فقط نضغط على الأزرار ويكون رأينا وتجاربنا مُتاحة للجميع، هل أنتَ مُدرّب كُرة قدم؟ جرّب الكِتابة عن هذه التجربة وبشكل يوميّات، سترى أنّك ألهمت الكثيرين في مجالات مُختلفة ليكتبوا يومياتهم المهنية. لا تبحث عن المال في عالم الكِتابة وخصوصاً في عالمنا العَربي، ابحث عن تقديم خِدمة عظيمة للقرّاء وتجربة مثيرة لهم. لا تُصدّق بأنّ التدوين انتهى عُمره، وأنَ المواضيع كُلها كُتبت. فكُل كِتابة تختلف، وكُل شخصٍ فينا له بصمة تُميّزه عن الآخرين.

نحن بحاجتك، فأنت تجربة حياتية لها أثرها في هذه الحياة.

365

(18) لم يُراجعني! – قصّة

دخل غرفته وأغلق الباب من خلفه، وأخذ يمسح العرق النابع من بين بُصيلات الشعر النابتة في جبينه، استخدم المنديل الأسود الذي يحمله باستمرار في جيبه العلوي المقارب لمصدر نبضات قلبه المليئة بالأدرينالين، ورمى بنظارته الشفافة ذات الإطار الأسود البديع النحيف على طاولته الصغيرة الساكنة أرض غرفته، وهجم على مكتبته المركونة في زاويةٍ كُتِبَ فوقها (رُكن الحياة)، وبدأ برمي الكُتب والدفاتر على الأرض بشكل جنوني وأوداجه مُنتفخة، والاحمرار ظاهرٌ على خديّه وعيناه مليئتان بالغضب، وفجأة ظهر أمامه دفترٌ أسود صغير، مليء بالنقوش والرسومات الطفولية .. مزّقه وهوَ مُقطّب الحاجب، ..

– انتهى زمن الطفولة، أنا مُختلفٌ الآن .. لتذهب هذه الرسومات والكتابات إلى الجحيم.

 رمى الأوراق وقلبه النابض لم يهدأ أو يحزن من أجلها -كما كان يصنع فيما سبق-، واستمر في رمي الكُتب والدفاتر، ودون سابق انذار التفت إلى الخلف وبنظرة حاقدة رمى ببصره ناحية الباب، وعاد إلى مكتبته ليُكمل مجزرته، وظهرت أمامه أوراق وردية قديمة ممزّقة، كُتب عليها بعض العبارات الأنيقة، قبض عليها وهرسها بيده اليُسرى ..

– مكانك في القمامة يا قمامة كلماتي، أنا الآن لا أكتب إلا الفِكر والأدب الرفيع، أمّا هذه الكلمات العفنة التي تسللت إليّ، فهي من مزبلة أحاسيس المراهقة وإلى مزبلة الأرض ستعود.

 وبطريقة لاعبي كُرة السلّة رمى الورقة المُكوّرة ناحية سلّة المُهملات، وركض باتجاه الكُرسي الأحمر الفريد من نوعه ليجذبه ويرتقيه بقدمه، أحس أنّه عانق السقف، هُنا في الرفوف العليا وجد الرسالة الأقدم له، وخاطبها قائلاً، ..

– تباً لكِ يا عار الأرض، أنتِ من أهبطني من سماواتي العُليا لأرضهم المليئة بالقاذورات، عرفوا أنّك متواجدة لهذا هُم يبحثون عنك بلا كلل أو ملل، لكنّكِ خواء وإعلام كُنت أنشده في زمن ما، لهذا عُذراً يا ورقتي الغالية سأحرقك بالنار، بعد أن أكوي ذلك الذي عرض رأيه علانية دون أن يُراجعني شخصياً، سحقاً له من صديقٍ أحمق ..

 عاد لبحثه بعد أن دسّ رسالته في جيبه الجانبي، وبدأت الابتسامة تظهر على وجهه فهوَ وصل إلى أكثر كُتبه قرباً منه المُعنون بـ -الحيران في زمن الغلمان، نحو قلب مليء بالفكر والأدب الرفيع لمؤلفه بديع الشطآن- وفور ما لمسه سرت رعشة في بدنه، ونزل من الكُرسي بهدوء وصمت، وجلس على الأرض، ولمس حاجبه الأيمن ونتف الجزء الكثيف منه بحركة لا شعورية، ..

– الآن سَأسحَقكَ يا (…) فأنت مُجرّد فقاعة، سأدمّرك لأنّك تجاوزت حدود الكتابة، أتتعدّى خطوط العمالقة والجبابرة؟ من أنت يا (…) مُجرّد جُرذ سأوقفه للأبد عن الكتابة عبر رأيي المُحكم، فأنا المُثقّف العبقري الأوحد بين أقرانه، أنا المُفكّر الداهية والأديب اللامع والخبير المُفترى عليه بأنّه قاسي، أنا آلهة نقد الشباب الكاذبين الذين لا يؤمنون بالرأي الآخر.

 تصفّح الكتاب ببطء، ووجد ضالته، وشرع في كتابة رسالة نصيّة لرقمٍ كان محفوظاً لديه باسم (الخائن) في قائمة الاتصال وصوت فرقعة الحروف يسمعه كلّ من يمشي بجانب صومعته، وما إن انتهى وضغط على زرّ الإرسال، انتظر ثواني بسيطة وهوَ يُفكّر ببعض الأمور التي هاجمته، وإذا برسالته تظهر في شاشته!.

××

نص كُتب في عام 2012 ولم يُنشر. لاحظوا فارق اللغة. بانتظار الآراء.