أفكاري

أينَ كُنت؟

لم أكن بخير، حتماً. لم أكن أمتلك رغبة للكتابة بشكل مُخيف، لم أحاول حتّى، ابتعدت بشكل طوعي، كُنت أمزّق كُل ما أفكّر به قبل أن يخرج للعَلن، منعت يدي من التدوين، وقررت الابتعاد، فكُل شيء لم يعد له معنى، عَجَزت عن إيجاد المعنى، فكُل ما يحصل هوَ ركضٌ بلا توقّف، حركة دائرية مُتعبة. سقوط فَدِماء، فنهوض وركضٌ من جديد.

مضى ما يزيد عن العام، هل هُناك سبب حقيقيّ أم هوَ الكسل الذي تمسّك بكُل عَصب في داخلي؟ إذا كُنتم تلمحون إلى أنّي قارئي فالقراءة لم تكن وقوداً كما كانت، بل مجرّد روتين مُتعب في الكثير من الأحايين، التحدّث مع الآخرين كان عبئاً ثقيلاً لم يُمكنني المسير معه فما بالكم بالرَكض المفروض عليّ، تهتّكت كُل عضلاتي التي كُنت أتكئ عليها في حياتي، كهلاً في هيئة رجل -لم أعد شاباً لأكتبها لكم- أنا فعلياً اشتقت لي.

كان هاجسي في الفترة الأخيرة أنني فقدت ما كُنت أدّعيه، أنني أحاول الإبداع في أيّ مجال أصرف فيه وقتاً، فعندما كُنت مصمما لم أقبل بأن أكون مجرّد مصمم، بل بحثت عن طريقة لأصبح الأفضل في الوسط الذي أعيش فيه بدايةً، لهذا كُنت أتقدّم بقفزات واسعة في المجال إلى أن وجدت أنّ العوائق أضحت واضحة، ابتعدت طوعاً كذلك -واكتشفت أنّ هذا الأمر يتكرر في كُل مرّة-. ابتدأت التدوين وحاولت الاستمرار لفترة طويلة نسبياً، وتوقفت كذلك توقفت فترات طويلة فيما مضى إلا أنني لم أتوقّف لما يزيد عن العام إلا في سنة “جائحة كورونا” وسبقت الجائحة بكارثة “الضجر”.

وتمدّد “الضجر” ليُصبح عادةً، ويستحوذ على كُل شيء في عقلي، لم أتمكن من إنهاء كِتابٍ في جلسةٍ واحدة كما كُنت أفعل، لم أتمكن من كِتابة نص طويل يليق بالقرّاء، اكتفيت بالفُتات واستعراضه عبر الانستاغرام وتويتر والتيليقرام، تمَدد حتّى صرتُ مقيداً بكلمة “لا أقدر” في الكثير من المشاريع، فكُلّما حاول الأهل والأصدقاء إيجاد طريقة لإعادة اكتشافي صرَفت هذه المحاولة بعيداً، وهربت، كأنني لستُ أنا!، مُخيف؟ الأقسى أن تعيش التيه وكأنّه مُتعة ما، أن يُصبح حياتكَ الجديدة، أن تكون بلا هويّة، بلا هدف، بلا حُضور مع ذاتك، أن تكتفي بالآخرين وكلماتهم، أن تكتب لأجل الآخرين لا لأجلك.

أينَ كُنت؟ لم يَعد مُهماً بقدرٍ كيف سأمضي، كيفَ سأخرج من هذه الحُفرة، وأعتقد أنّ الكِتابة ستمارس سحرها مُجدداً وتأخذ بيدي بعيداً عن هذه الأفكار المملة التي تبعث الملل وتجعله يسيطر، أعتقد أنّ الكِتابة ستكون قادرة على انتشالي من “ضجري” فهيَ المؤنس الذي أهرب إليه في كُل مرّة، وسأترك كُل دروس التنمية الذاتية، وكُل كلمات ولكمات الآخرين حول أنّ “إبداعي” أفل، ولم يعد له وجود، سأترك الباب مفتوحاً لتلّقي المزيد من الضرب، وقليلٌ من الدَعم. كيفَ سأخرج؟ سأركل الباب بقوّة، سأترك الحدود لأهلها، سأفتح مستعمرات الخيال، سأبتكر نصوصاً كاشفة، سأحكي حكايات قاسية، سأصنع محتوى لم يُصنع، لأنني لم أعتد على الكَسل، ولم أتمكن من حُبّه.

لم أكن بخير، لكنّي بأفضل حال.

أفكاري

لم أعد قادراً

ماذا لو فشلت؟ ماذا لو تتحقق النتائج المرجوّة؟ ماذا لو تمّ انتقادي بحدّة شديدة من المُجتمع؟ كيف يُمكنني التعافي من كُل الضغوطات التي قد تنشأ بعد إقدامي على الفعل -الفلاني-؟ هل هذا الصنيع سيكون مُجرّد مضيعة للوقت أو سيذهب هباءً منثورا؟ وهكذا نغوص في كهف الأسئلة السلبية التي تقودنا عادةً للتوقّف عن إنجاز أيّ فِعل نرغب بفعله، بل ويُصوّر لنا الخوف النتائج من اقتراب اتخاذ بعض القرارات الخاصّة بأمر ما بأنّ الحياة قد تنتهي إذا ما قُمت به، فعلى سبيل المثال لا الحصر: لا تَكتب فأنت لستَ بِكاتب، لا تُحاول ممارسة الشعر فأنتَ لستَ بشاعر، لا تلعب كُرة القدم فأنتَ ستتعرّض للسخرية، لا تُقدم على تمثيل نصِّ مسرحي فأنت مجرّد إنسانٍ بسيط لا يُمكنه التعبير عن هذا النص، وهكذا دون قيود ينطلق هذا الخوف ليبتلع كُل رغباتها، كُل أشكال الشغف التي قد تتشكّل، ستبقى في خانة المُنتظرين، المُبتعدين عن مُحاولة تَرك أثر، مُحاولة مُمارسة ما تُحب لا ما يُفرض عليك.

أفكاري

هل أنا كاتب؟

خلال الأسابيع الماضية احترقت وغرقت في تلك الحُفرة التي تكبر كُلما وصلت إلى قاعها، تهوي بكُل الأشياء فوق صدري فتُشكّل هوّة جديدة أكبر. زرت هذا المكان مرّات عديدة في حياتي إلا أنّ هذه المرّة كان الأمر مُختلفاً امتصّتني الحياة ناحية أداء المهام اليومية باضطرارية كبرى، كُل شيء كان يُشبه أداء الواجبات المدرسية المقيتة. هذا الشعور يستهلك طاقة عُظمى، وبالنسبة لي امتدت نيران هذا الإحساس المقيت إلى أن وصلت إلى كُل شيء.. وأعنى أنه وصل إلى الكتابة.

أعمالي

حَرقُ دار الإمام الصادق (عليه السلام)

1

لطالما شغلت عقلي أجواء المُجتمع الذي تمكن من “حرق دار #الإمام_الصادق (عليه السلام)” حاولت صنع مقاربة مُتخيّلة للوصول إلى نفسيات المُجتمع آنذاك فطالعت شطراً من التاريخ وتدارستُ حالة صناعة “فِكر القطيع” الذي يتبع كُلّ ناعق،