365

(7) اعتدت على كُره القراءة؟

الأدب بشكلٍ عام هوَ مصدر ثقافي حيوي، عندما أتحدّث عن قراءة الشِعر مثلاً فإني أقحم نفسي في قراءة أبيات قد تقلب حياتي رأساً على عَقِب، أو عندما أتجّه لقراءة روايةٍ ما، فإني أدخل فعلياً في عالمها الافتراضي المنطقي -منطق خاص بها-، وأرتقي إلى حياة أخرى تعيشها شخصيات الرواية، أحياناً أطلق على قراءة نصّ جيّد بعد فترة من القراءات التعيسة هيَ ولادة ثانية.

القراءة هيَ المحور الأهم في عملية التعليم وخصوصاً في حقل العلوم الإنسانية، فلا شيء يُمكنه اختبار الإنسان في مواقف شتّى إلا أن يتقولَب في شخصية أخرى، وغالباً لن يتمكن من هذا الأمر بسهولة، أمّا في عالم القراءة فأنتَ فعلياً تركضُ إلى هذه العملية لتقدّم لنفسك تجربة حسيّة عقلية مُختلفة عمّا اعتدت عليه، لا أزال أتذكّر عند قراءتي لشخصية “راسكولنيكوف” في رواية “دوستويفكسي – الجريمة والعقاب” شعرت باليأس من الإنسان!، فالتناقضات مُرعبة، والكيفية التي شرّح فيها “دوستو” عقل هذا الشخص تُثير الاستغراب، فهوَ كَتب عن شخصية تُشبهنا في صورةٍ مَخفية، فمن هذا الذي لا يُبرر أفعاله السيئة؟ ومن هذا الذي حَكم على نفسه بأنّه مُذنب ويستحق العِقاب بكل سهولة؟ في هذه الرواية شاهدت كيف يُمكن للإنسان أن يطأ إنساناً آخر دون الحاجة لتجربة هذا الأمر على البَشر من قِبلي، أو حتّى الخوض في علاقة شخصية تقودني لمثل هذه المواقف التعيسة، الرواية لا تدور فعلياً عن “جريمة قتل” بقدر ما هيَ تتحدّث عن شخصية مضطربة لكنّها حقيقيّة جداً.

في عالم الأدب نكتشف ذواتنا، أتذكّر أنني رشّحت أحد الروايات لأحد الأصدقاء ولم أكن أعرف الكثير عنه، سوى أنّه طلب منّي رواية عن السجون (ظناً منه بأنّ أفلام السجون ممتعة فكذلك روايات السجون ستكون ممتعة) إلا أنني رشّحت له وقتها رواية “السجينة – مليكة أوفقير”، بعدها بأيام شاهدته مضطرباً، وعلى وجهه علامات المَرض!، سألته عن حاله فأخبرني بأنه أدمن القراءة! وأنهى الرواية وبدأ بالبحث عن حكاية ملكية أوفقير وعائلتها!، وانطلق لقراءة المزيد عنهم، وكيف تمّ التعامل معهم، وبدأ يشرح لي أنا الذي رشّحت الرواية له بدأ بشرح الرواية مُجدداً، والذي اكتشفته في تلك اللحظة بأنّ هذا القارئ يختلف عنّي، وأنّه تمكن من رؤية أمور لم أتمكن من رؤيتها، وغاص في أعماق السجن، وشعر بذلك الألم الذي ترمي إليه الرواية، وهوَ “الضياع”، فنبّهته بأنّ الأدب يطرح عليكَ تساؤلاً أخلاقياً، فما أنتَ صانع؟ تخيّل أنّك في ذلك المكان ماذا كُنت تصنع؟ بعد ذلك السؤال لم أرَ هذا الصديق لفترة من الزمن، التقيت به في أحد المقاهي صُدفةً، وبدأنا بالحديث عن الكُتب والأعمال الأدبية المدهشة وبعض الكُتب التاريخية التي يجب علينا قراءتها في الأيّام القادمة للتحضير لبعض الأمور، اكتسبت صديقاً قارئاً في تلك اللحظة التي نصحته بقراءة رواية تمكنت من خطفه من عالمِه ليعيش عالماً يختبر فيه ذاته.

بعض النظريات من الصَعب شرحها بشكلٍ مُبسّط لتكون للجميع، لكنّ هذه النظريات تكون حيّة وقابلة للتطبيق العملي في عالم الأدب، وإن كُنت ترى بأنّ الأمر لا يستحق، انتظر قليلاً. كُل شيء عِبارةٍ عن حِكاية، شاهد كُل ما تعرفه عن الآخرين، هوَ حكاية. لا تخَف من تضييع الوقت فالأدب وسيلة لمحاكاة الواقع أنتَ تُجرّب الأمور من على مقعد وبالقرب من قهوة.

القراءة عَتبه الحياة الروحية، هل تُريد التزوّد من شهر رمضان المُبارك؟ اقرأ. هل تُريد فهم أحداث كربلاء؟ اقرأ، لا تتوقّف عن القراءة، هل لازلت تبحث عن إجابة لسؤال “من أنا؟” .. اقرأ.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “(7) اعتدت على كُره القراءة؟”

  1. Farah Almosawi يقول:

    هذِه المقالة بالذات ذكرتني كيف أكتسبت أصدقاء كانوا وما زالوا وسيبقون ان شاءالله خيرة الاصدقاء والاخوة..
    القراءة حياة أخرى نعيشها ؛ عالم نبحث عنه منذ الأزل فنجده بين طيات الكتب..
    إذا يومًا ما أن اردت شخصٌ أو شيء ما ف سأشكر بكل تأكيد كل تلك الكتب التي عرفتني بأصدقائي اليوم.. وبمعارض الكتب التي جعلتني ألتقِ بأشخاص نِدر وجودهم في هذا الزمن..
    هذا المقال جعلني أبتسم طول فترة قرائتي له
    شكرًا لك بحجم كل شيء وأي شيء
    #حسين_المتروك
    جعلتني أتسأل اين كنت في غلفة عنك كل هذه السنين
    شكرًا لصدف الحسين(ع) الجميلة التي جعلتني أعرف كاتبًا ك شخصكم في حبهُ
    ف ليرعاكم مولايّ الحسين(عليه السلام) ❤
    فرح الموسوي

ضع تعقيباً ..