365

(4) في الطَامورة، كُنت.

أجر الخُطى باحثاً عنه، مُكتنزاً الاشتياق في صورة عاصفة، جمرٌ الفقد سقف. والأرض سجّرت نيرانها. نزلتُ الدرج، خطوة أولى باتجاه الظلام. قيلَ لي أنّه هُنا. أغمضت عيني أتحسس طريقي، سُلّمٌ تضغطه الحيطان التي تستمر بالتقارب. ألامس الجدار الذي انحسر بعد أربع خطوات، لم يعد هُناك مكان إلا لأنفاسي التي باتت تتقطّع ولكُتلتي البدنية، لم يعد هُناك مكان لإنسان آخر، لو دفعني أحدهم من الخلف لسقطت بطريقة طُولية، لن أتمكن من التكوّر لأحمي وجهي، سأسقط بشكلٍ مُتوالي إلى أن ألتقي بأرضٍ توقفني. خطوة أخرى والعرق بدأ بالظهور على جبهتي، خانقٌ هذا الطريق، مليء برطوبة تُرابية الرائحة، شككت بالأمر، بعد خطوتي الخامسة عشر، لا شيء يظهر لا يوجد هُنا سوى الظلام كُلما هبطت درجة لم تعد درجة الظلام تتغيّر. عدم.

زلّت قدمي سقطت بشكل فُجائي بضع درجات، تمسكت بالصخور الناتئة، جُرحت كُفوفي، ودمي جفّ، وعيني بقيت تبحث عن مهرب من هذا المكان، تماسكت محاولاً العودة للعد، فالشيخ المُسن قال لي أنّهم أودعوه في طامورة تقع في هذه المنطقة ويُمكنني الوصول له في هذا الوقت، فالأجواء مُهيئة للأرواح التي تطوف هذه المنطقة بحثاً عنه، فنُورَه يكفيهم للوصول إليه ولو بعد سنينَ من الغياب، حاولت إعادة العد ما بعد العشرين وصلتُ حتماً، لكن تحديداً لستُ أدري على أيّ درجة أنا، لازلت كفيفاً، أسبح في محيط من الظلام، لولا ذاكرتي لما تمكنت من معرفة ما الذي يحيط بي، صُخور مع قليلٌ من هواءً يتكثّف مع كُل خطوة للأسفل، ويلي إن لم أرَ النور، ويلي إن لم أراه. وجلْ.

كُلما أوغلت بالنزول، كُلما تفشّي اليأس في قلبي، لم أعد أشعر بأصابعي، قدمي لا تحملني، كُل ألمٍ غَرس ذاته فيّ تلاشى، سيطر التَرح، وصلت إلى النهاية بعد أربعين درجة أخذتني للأسفل لم أتمكن من الابصار، غيمةٌ سوداء تُغطي كُل شيء، لا همسٌ يُسمع، لا نورٌ يناغي العيون، شيء مُخيف، كيف سيكون هُنا من هُوَ موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؟ كيف يكون في هذا المكان من في كَفّه كاف القُدرة وفي دُموعه نونها!، كيف أمكن إنزاله في هذا المكان المقفر؟. نَوء.

تحرّكني الذاكرة بصمت، أتحسس الظلام، أرتطم بقيدٍ مُلقى، بسلاسلٍ مُمدة، غُرِسَت في معدة باطن هذا الديجور، أينَ هوَ؟ متى خرج من هذا المكان؟ ابن سويد أخبرنا أنّ الموعد الجُمعة، ها هوَ يوم الجُمعة لا أحد هُنا في هذه الطامورة الخانقة. ارتجّت الحيطان أخذني الرُعب. تحرّكت بسرعة بحثاً عن السُلم الذي اختفى في العتمة، تمتَد المسافات، وجدتُ الدرجة الأولى بعد أن حَبَوْت على أربع، تحسسته بيدي، ركضتُ مُرتفعاً، لا تزال الحيطان ترتج، والطريقُ صارَ شحيح المساحة، خُدوشٌ تفرّقت على بدني، تتداعى الصخور. أمانة موسى بن جعفر.

على الجسر، على الجسر، قالها ابن سويد موعدنا على جسر الرصافة، أتعثّر أعتدل أهرولُ بحثاً عن ابن جعفر، غيمٌّ احتشد فوق جنازةٍ يحملها أربعة حمّالين، والحُضور تُغرقهم الدموع ويظهر فيهم الهلع، أيّ جنازةٍ هذي؟ مُقيّدٌ بالسلاسل من طُرحَ فيها، كان نوراً بهيّاً مُسجّى، رموا التابوت، هربوا، كُشِف عن وجهه. علامة “لطمة” في خدّه مرسومه.

أيّ قيدٍ كان؟ ألقِ القيدَ يا موسى، بهمسَةٍ منك يستحيل الطُغاةَ رمادا.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “(4) في الطَامورة، كُنت.”

  1. منتهى يقول:

    السلام على المسجون المظلوم …

    وااصل الكتابه الجميع مستمتع ومتحمس ????

ضع تعقيباً ..