365

(21) نكتب ونمسح بتكرارٍ مُمل

هل حصل وفتحت جهازك للكتابة وقُمت بكِتابة “قَتل الصَبيّ أمّه، بعد أن طعنها بسكّين سرقه من على الطاولة. بعدها خرج إلى الساحة وبدأ بلعب كُرة السلّة مع الحائط” بعدها قُمت ومسحت هذه الفقرة. وشرعت مُجدداً بالكِتابة “قتلَ الصبيُّ أخته، ودوّى صوت الطلقة في الأرجاء، لم يرتجف، بل جفلَ ولم يتحرّك. صرخَ بصوتٍ عال: أنا آسف”، بعدها تتوقّف قليلاً ثُمَّ تَقرأ الفقرة بعدها تُفكّر بشكلٍ جاد، تضغط على زر الحذف بكل هدوء وتكرر الضغط، وبعدها تقوم بإعادة الكِتابة تبدأ بـ “وقفَ على الشُرفة ينظر إلى الأسفل، ينادي أمّه: إنّي قادمٌ إليكَ قريباً، فقط ساعديني على القفز، وسأجدُكِ حتماً في الجحيم”. بعدها تعاود الفِعل السابق، تمسح كُل ما كتبت. وهكذا تكتب وتمسح تكتب وتسمح. وبعدها تبدأ بشتم “جهازك، وعقلك، وكِتاباتك، والحروف”.

أكثر من نصف ساعة ولا تمتلك شيء يملأ الورقة البيضاء الوهمية التي تظهر على شاشة جهازك، هذا الأمر يحصل لأنّك تُفكّر بإفراط، التفكير والكِتابة عمليات يجب أن تختلطان بشكل إجباري، إن هذه العملية تلقائية، وإن لم تحصل فعليك

 ككاتب أن تُراجع ما كتبت لتحقق التفكير. لا تنشغل كثيراً في التفكير أثناء الكِتابة اترك هذه الدفقة الكتابية التي تقودك، فالتفكير يُشغّل “مصدّات/ فلاتر” تقودك للتوقّف عن الكِتابة.

هذه المصدّات لا تسمح للأفكار والتصوّرات من التحرّك في المساحة العقلية الابداعية، إنها تلغي العقل اللاواعي، وتحرّك الوعي بشكل قوي جداً، تخيّل هذه المُرشحّات على شكل صوت “هذه الكلمات غبية” أو “لا تكتب هذا” أو حتّى مليون كلمة سلبية توقف الكلمات وتبطئ العملية الكِتابية. وهُنا يُمكنني أن أقترح طريقة وجدتها في أحد الكُتب وهيَ: إسأل نفسك سؤال، أعد هذا السؤال على نفسك مرّة أو مرّتين، بعدها مباشرة خُذ خمسة دقائق من الكِتابة، أكتب لا تفكّر أكتب بسرعة كبيرة، وإذا شعرت بالمأزق في لحظة الكِتابة إسأل نفسك وماذا بعد؟ لا تتوقّف، حتّى وإن كُنت تكتب أمور غير مفهومة، لا تحذف شيء فقط أكتب، حتّى لو شعرت بأنّ الكِتابة صارت حُلم أو جنون. وهُنا أضيف كلمة قالها لي الكاتب العراقي “محسن الرملي” في إحدى الوِرش “أكتب دون أن تنتبه للقواعد اللغوية المُهم أن تكتب لدينا العديد من المراحل التي نعدّل فيها هذه الأمور، الأفكار أكتبها بأي شكل كان الآن”. هذا التمرين يساعد في إلغاء صوت الناقد في عقلك، الكِتابة بسرعة تجعلك أقل تفكيراً وأكثر تفاعلاً مع النص، مع النهر الجاري، إذا كُنت لا تكتب بسرعة على جهازك أنصحك بالكتابة على الورق الحقيقي. وهُنا يمكنني أن أقول أن الكتابة عبر “كيبورد” أسرع بمراحل من الكِتابة على الشاشات المتفاعلة باللمس.

هل خمسة دقائق قليلة؟ لا تقلق، أنت ستكتشف أنّك بحاجة إلى المزيد من الوقت، وكُلما رفعت حاجز الوقت ببطئ كُلما أتقنت الكِتابة دون الاستماع لصوت الناقد في عقلك. هل تقوم بالدخول إلى ماراثون دون أن تتمرن؟ هل تتمرن في اليوم الأوّل لاجتياز ١٠٠ كيلو متر؟ لا أنت تقسّم الأمر إلى أجزاء. كأيّ شيء آخر تبحث عن اتقانه تبدأ صغيراً ثُمّ تكبر شيء فشيء.

هل تُريد تلميح آخر؟ قبل أن أختم هذا المقال، ومن تجربة كِتابة ٣٦٥ .. ضع خط نهاية، العقل يعمل بشكل مُختلف إذا ما وضعت خط نهاية أو وقت تسليم مُحدّد. وابحث عن السؤالَ في كِتاباتك.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..