365

(20) اشياقُكَ فتّنا

غِيابك يَنهشُ بقايانا، أذلّاء نبحث عن عينٍ ترعانا، فكُلنا لم يعد مسؤول، والرعيّة ضاعت في غياهب جُب هذه الحياة، أينَ استقرّت بكَ النوى؟ فالغياب يطوي كُل صَبرٍ هزيل، ويُقصي كُل صديق قريب. متى تُمطر السماء؟ حتّى الغيم يتنكّر مُرتحلاً عنّا. لم نعد نعلم أيّ جُمعةٍ هذي، فالماضية كالقادمة، وكُل ما يهمّنا غائبٌ عنّا، والغياب لا يُشبه الموت، فالموت يُقصي كُل سؤال. وأسئلة الغياب تُؤرقنا، فمتى؟ وأين؟ وكيف؟ وإلى متى؟ حشدُ لغةٍ صار فارغاً من معانيه، فكُل سؤال يبحث عنكَ أنت.

إمّا أنتَ أو لا أحد. دَمعاً يتساقطُ ها هُنا، ودَم يتناثر في غابةٍ الموت، فكُل زرعنا قُطف، وكُل ضحكاتنا صُيّرت رمادية. وكُل كِتاباتنا حيلة نُخادع فيها أنفسنا بحثاً عنك، في كُل حرف يسكن انتظارنا، في كُل انحناء عينُ “عجّل” تسكن صرخاتنا المخبوءة فينا، كسِراجٍ لا حياة فيه، نتحرّك مُحطّمين، لا شُعلة مُتقدة فينا إلاكَ أنت، يا وطن الروح ومأواها. إمّا أنتَ أو لا أحد ينتشلنا من غَرقنا، من بُلهنا، من حماقتنا، من جُرأتنا على تناسي انتظارنا في كُل يوم. إمّا أنتَ أو لا أحد.

سيّدي طال الغِياب، ومنذُ لحظة الميلاد مسّتنا لعنة الافتقاد، ثيابُ الجَزع ارتديناها بعدَ الصرخة الأولى، صرنا أكبر بثلاثين حُزناً، رثّة هيَ قلوبنا، مُلِأت شجناً، ركلتنا بقايا الحياة، مزّقتنا ونثرتنا فوق فُوّهة بُركان الأسى، إمّا أنتَ أو لا أحد سيعيد دبيب الحياة إلينا، إمّا أنتَ أو لا أحد سيشعل الأنوار وينفض الغُبار، ويُحيي الذكرى. لسنا سوى مُنتظرين قابعين في منفى الوُجود.

صادقنا الأرصفة، الصحاري، الوديان، والبحار، صِرنا ننظر إلى المنبر، نرتقب الجُمعة. نرفض كُل الأصوات بانتظار الشهقة البِكر التي يُنادى فيها “ألا إن الحّق ..”. متفرقين تَجْمعنا لهفة لُقياك. نكتنزُ الظمأ، لا نُروى إلا من عذبِ نميركَ الصافي، وكُل ابتساماتنا مَحظَ ألم مُغطّى.
كُل حكايانا باتت غياب، كُل بقائنا صُيّرَ اشتياق. يسكننا هَوَس البحث، نُراقب الرموز، نُلاحقها علّنا نحظى بلمسةٍ منكَ فنَكمل.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..