365

(18) لم يُراجعني! – قصّة

دخل غرفته وأغلق الباب من خلفه، وأخذ يمسح العرق النابع من بين بُصيلات الشعر النابتة في جبينه، استخدم المنديل الأسود الذي يحمله باستمرار في جيبه العلوي المقارب لمصدر نبضات قلبه المليئة بالأدرينالين، ورمى بنظارته الشفافة ذات الإطار الأسود البديع النحيف على طاولته الصغيرة الساكنة أرض غرفته، وهجم على مكتبته المركونة في زاويةٍ كُتِبَ فوقها (رُكن الحياة)، وبدأ برمي الكُتب والدفاتر على الأرض بشكل جنوني وأوداجه مُنتفخة، والاحمرار ظاهرٌ على خديّه وعيناه مليئتان بالغضب، وفجأة ظهر أمامه دفترٌ أسود صغير، مليء بالنقوش والرسومات الطفولية .. مزّقه وهوَ مُقطّب الحاجب، ..

– انتهى زمن الطفولة، أنا مُختلفٌ الآن .. لتذهب هذه الرسومات والكتابات إلى الجحيم.

 رمى الأوراق وقلبه النابض لم يهدأ أو يحزن من أجلها -كما كان يصنع فيما سبق-، واستمر في رمي الكُتب والدفاتر، ودون سابق انذار التفت إلى الخلف وبنظرة حاقدة رمى ببصره ناحية الباب، وعاد إلى مكتبته ليُكمل مجزرته، وظهرت أمامه أوراق وردية قديمة ممزّقة، كُتب عليها بعض العبارات الأنيقة، قبض عليها وهرسها بيده اليُسرى ..

– مكانك في القمامة يا قمامة كلماتي، أنا الآن لا أكتب إلا الفِكر والأدب الرفيع، أمّا هذه الكلمات العفنة التي تسللت إليّ، فهي من مزبلة أحاسيس المراهقة وإلى مزبلة الأرض ستعود.

 وبطريقة لاعبي كُرة السلّة رمى الورقة المُكوّرة ناحية سلّة المُهملات، وركض باتجاه الكُرسي الأحمر الفريد من نوعه ليجذبه ويرتقيه بقدمه، أحس أنّه عانق السقف، هُنا في الرفوف العليا وجد الرسالة الأقدم له، وخاطبها قائلاً، ..

– تباً لكِ يا عار الأرض، أنتِ من أهبطني من سماواتي العُليا لأرضهم المليئة بالقاذورات، عرفوا أنّك متواجدة لهذا هُم يبحثون عنك بلا كلل أو ملل، لكنّكِ خواء وإعلام كُنت أنشده في زمن ما، لهذا عُذراً يا ورقتي الغالية سأحرقك بالنار، بعد أن أكوي ذلك الذي عرض رأيه علانية دون أن يُراجعني شخصياً، سحقاً له من صديقٍ أحمق ..

 عاد لبحثه بعد أن دسّ رسالته في جيبه الجانبي، وبدأت الابتسامة تظهر على وجهه فهوَ وصل إلى أكثر كُتبه قرباً منه المُعنون بـ -الحيران في زمن الغلمان، نحو قلب مليء بالفكر والأدب الرفيع لمؤلفه بديع الشطآن- وفور ما لمسه سرت رعشة في بدنه، ونزل من الكُرسي بهدوء وصمت، وجلس على الأرض، ولمس حاجبه الأيمن ونتف الجزء الكثيف منه بحركة لا شعورية، ..

– الآن سَأسحَقكَ يا (…) فأنت مُجرّد فقاعة، سأدمّرك لأنّك تجاوزت حدود الكتابة، أتتعدّى خطوط العمالقة والجبابرة؟ من أنت يا (…) مُجرّد جُرذ سأوقفه للأبد عن الكتابة عبر رأيي المُحكم، فأنا المُثقّف العبقري الأوحد بين أقرانه، أنا المُفكّر الداهية والأديب اللامع والخبير المُفترى عليه بأنّه قاسي، أنا آلهة نقد الشباب الكاذبين الذين لا يؤمنون بالرأي الآخر.

 تصفّح الكتاب ببطء، ووجد ضالته، وشرع في كتابة رسالة نصيّة لرقمٍ كان محفوظاً لديه باسم (الخائن) في قائمة الاتصال وصوت فرقعة الحروف يسمعه كلّ من يمشي بجانب صومعته، وما إن انتهى وضغط على زرّ الإرسال، انتظر ثواني بسيطة وهوَ يُفكّر ببعض الأمور التي هاجمته، وإذا برسالته تظهر في شاشته!.

××

نص كُتب في عام 2012 ولم يُنشر. لاحظوا فارق اللغة. بانتظار الآراء.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

ضع تعقيباً ..