365

(10) – لم أوَقّع!

“لا تقلق، أنا حصّنتها بدُعاء أمّي” ضَحِكَ في وجهي، غمزَ لي. تحرّك من أمام وجهي ودمعة طفرت من عيناه. حاولت اللحاق به إلا أنّ الدُنيا ضاقت بِه. لم يعد موجوداً، تضاءل بشكل مُرعب. في تلك اللحظة تلاشى. دُقّت المسامير في قدمي، تجمّدت دمائي، لم أعد قادراً على اللحاق به. وقفت بلا حراك، تأمّلت وجود منازل مهترئة بالقرب منّي. صغيرة كعُلبة سردين، كُل أصوات ساكنيها يزحف إلى أذني، يدخل بكُل أنينه وضحكاته، دخلت الأصوات إلى رأسي، لا شيء يخرج، حشدٌ من الآلام رفع راياته. عادَ إليّ وهوَ يحمل بيده الورقة الوردية الكبيرة المُعنوة بـ “بلاغ مولود حي”.

ولا تزال الأيّام تمضي، منذ تلك اللحظة قبل سبع سنين، والأصوات لا تزال تناديني، تحدّثني عن جحيمها، عن كُل أشكال النِضال، عن النصول التي غُرسِت أبدان “شيبانهم” عن اليأس الذي سكن في عقول “شبابهم”. أصواتهم خليط لا يزال يعصف، يُرعِد ويُمطر في أيّامي، شوارع منطقتهم تخلوا من أيّ علامة إلا من “أطفال” ضاقت منازل أهليهم بهم، طُرِدوا حُباً لا كُرها أو غضباً، فاللعب يحتاج إلى مساحة لا توفّرها غُرفةٌ واحدة هيَ المسكن هيَ المطبخ هيَ الملعب هيَ المدرسة.

“لا تقلق لم أوقّع!” رَفضَ كُل أشكال الانتماء الوهمية، رَفضَ تدمير ابنته في المستقبل، رَفَض كُل أشكال التزوير التي قد تضمن له معيشه شِبه مُمكنة، قالها وأغلق الهاتف بعد أن سألته عن صنيعه الذي وصل إلى مسامعي بعد سِنين من المحاولات التي تفشل واحدتها تلو الأخرى، عن أيّ قلقٍ يتحدّث؟ هوَ المُتمسّك بقشّة في هذا المُحيط، هوَ الذي لا يبقيه حياً سوى فلّذة من إيمانِه الخاص بأنّ الغَد حتما أفضل، بأنّ الأرض لا بُدَّ وأن يرثها عِباده الصالحون. كُلما حادثته عَجزت عن ترميمِه، أجده يعيد تشكيلي بعد كُل لقاء، ويقدّم الحياة الأخرى المخفية في غياهب “النسيان” أو التناسي، يقدّمها على طبق من وَعي، يبثُ الأمل الذي يُغطيه ليلاً عبر دُموعه كُلما صرعته الهموم. تقوم قِيامته في كُل فَجر فيعود أقوى أو أوهى.

لا تزال ذاكرتي تُعيد لي وجهه وهوَ جاثٍ يصرخ: ربّاه إنّي مللتهم، أبدلني خيراً منهم، بجاه من هوَ حبيبك، رّباه إني مظلوم .. فانتصر. لا تزال حياتي ترزح تحت وطأة دُعاءه في تلك اللحظة التي وُلِدتْ فيها ابنته، التي حُرمت كُل أشكال الوجود.

“لا تقلق إن للمظلوم رباً”.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأيان حول “(10) – لم أوَقّع!”

  1. طارق يقول:

    كلماتك تحمل في طياتها وبين سطورها معاناة شخص ( بأُمةٍ)
    يعيش ألما قديما وحاضرا سوداويا ومستقبل بهيم.
    يعتمد في مقاومته على أمل الغد الأفضل
    إلا ان جميع ما يحصل حوله لا يبشر الا بإمتداد ليل قهره.
    فأي مصيبة اعظم من تسلب حق الوجود؟
    وإن وجدت فلا إنتماء لك..
    وإن انتميت فليس لك الحق في الانتماء للارض التي ولدت عليها!
    حياتك مرهونه بورقة حمراء تبلغ عن وجودك …
    وأخرى تبلغ عن وفاتك

    ومابين هذه وتلك…
    حياة طويلة من اللاوجود..
    يتبعها خلود في العدم …
    وتجدد في المأساة؛
    حتى اصبحت المعضله هي الشيء الوحيد الذي سيورثه لبضعته بعد ان ورثها هو من أهله.

    لينعم من لم يصلح من عمله سوى فضلته في الدنيا …

    وليعلم ان صالح عمله في الآخرة …. فضالة

    1. حسين مكي المتروك يقول:

      يُرعبني الغد. إلا أنني أؤمن بأن الأرض وما عليها سيرثها عباده الصالحون. لهذا بقيت ولم أرحل بإرادتي منذ زمن.

ضع تعقيباً ..