365

(9) من أنت؟

هُناك أيّام أنتصر فيها، هُناك أيّام أخسر فيها. أخبرني المُعالج النفسي أن ما أمر فيه يُسمى “الاضطراب العاطفي ثنائي القُطب”، وأن حالات الهوَس والابتهاج قد تطول لمدّة أسبوع، وقد أغرق في الكآبة لفترة تطول على الأسبوع بقليل، وأنني يجب أن لا أتوقّف عن أخذ الحُبوب، ففي بعض الحالات يجد البعض أنّه تمكن من الوصول إلى مرحلة الاتزال التي تقوده للطمأنينة، لكن ما أنّ يدخل في مرحلة مضطربة حتّى يتحطّم ويصل إلى مكانٍ خطير. مع كُل جُرعة دواء لا أصدّق أنني وصلت إلى هذا المَكان، يومياً المُنبّه يقرع أجراسه فوق رأسي مُعلناً ميعاد ابتلاعي للحبوب، تظهر التنبيهات في كُل زاوية “الساعة الثالثة عصراً خُذ دواءَك” على شاشة الكُمبيوتر مكتوبة على مرايا الحَمّام، فوق البّرّاد وضعُت ورقة صفراء كُتب عليها الكلمات ذاتها، فوق مقبض الهاتف الأرضي، وعلى عُلبة الدواء كتبت بكل مَلل: “خُذني”، أبقى على استعداد دائم لأنّ عقلي يتلاعب بي، خصوصاً ليلاً هوَ يعبث في كُل شيء، يجب عليّ أخذ الدواء باستمرار.

إنه اليوم الرابع بعد المئة والعَد لا يزال يستمر، قبل مئة وأربعة أيّام بدأت بأخذ الحبوب بعد أن اختبرت فِكرة الانتحار، أعرف تِعداد الأيّام لأنني منذ ذلك اليوم وأنا أضع علامات فوق الروزنامة للتحقق من سلامتي العقلية، كُل يوم له لونه الخاص، الأخضر لليَوم المُبهج، الأحمر لليوم المجنون، وبالقلم الرُصاص لليوم الذي يخالطني فيه الاحباط واليأس، أما الأزرق فهوَ لليوم المتوازن. الأسود عندما تمرُّ أفكار الانتحار في عقلي، أمتلك ٤٠ يوم متتالي أزرق، أنا فخور، كما أنّ المُعالج فخور بما تمكن من صنعه إلى الآن، واليَوم عليّ زيارته لنُتابع العِلاج، إلا أنني لا أشعر بالرغبة للذهاب إليه، أفكّر جدياً بالبقاء على الفِراش، بل عليّ أن لا أذهب بتاتاً.

الموت؟ لا شيء هوَ انتقال من عالم الأحياء إلى عالمٍ آخر لا نعرف ألغازه، هوَ رحيل عن كُل هذا البؤس الذي يغلّف العالم. سأتجّه لأتقدّم لوظيفة بائع في أحد محلات الإلكترونيات، سأجدني هُناك. لكن لم لا أتخلّص منّي؟ لمَ لا أبتعد عن هذا المكان؟ لن يشعر أحد، لن يسقط أحد في فخّ الحُزن. وصلتني رسالة بريد إلكتروني مُعنونة بـ “من أنت؟” لم أفتحها بقيت أناظر العنوان، ارتعدت، سالت قطرات العرق وبدأ بالهبوط من رقبتي لتزحف على ظهري المحني، بكيت حتّى ابتلّت فانيلتي البيضاء، يُمكن للجميع أن ينظر إليّ في عيني دون أن يعرف ماذا يحصل في عقلي، ماذا يحصل في قلبي، كيف هوَ حالي حقاً، يُمكنني فقط أن أخبره من وراء قِناعي: “أنا بألف خير”. وألفُ خِنجر يطعن كلماتي.

إنّه اليوم الرابع بعد المئة والعَدّ لا يزال مُستمراً، واليَوم لم ينتهي، سأرفق كلماتي وأرسلها عبر البريد الالكتروني إلى المُعالج، وسأنتظر دقائق وإن لم يُعاود التواصل معي، فإني ساتجّه إلى المطبخ وأقطّع رقبتي، وأرحل. لم أعد أطيق العَيش، اختناق، وأنا أعتذر فإني غير مستعد للرحيل مُختنقاً، سأختار فِكرة الانتحار.

عَنونت كلماتي بـ “هل أنا بخير؟” وأرسلت البريد. يا ترى .. هل يطول انتظاري؟

قصّةقصيرة.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

‏4 رأي حول “(9) من أنت؟”

  1. طارق يقول:

    لو كنت مكان ذاك الطبيب النفسي لرددتك عليك بسرعه.. لكن !!
    ماذا ان كان الطبيب نائما؟
    او كان في جلسة اخرى؟
    ماذا ان كان مشغولا بأمر جلي.. او حتى امر سخيف؟
    ماذا ان تلقى الرساله ونظر اليها بتملل المعتاد مكررا بينه وبين نفسه ( ماذا يريد هذا الآن؟)

    ايعقل ان تعتمد ديمومة الحياة ببساطه على رد شخص قد يغفل او يتغافل عن الرد على رسالة معنونه بتساؤل بسيط كهذا؟

    ومدة الانقاذ لا تتعدى ال٣٥٦ ثانيه!!

    تمهل يا متهور ولا ترسل الرساله واعد قراءتها مضيفا بعض التساؤلات…

    فقد تعنون رسالتلك ب( انا بخير ?) بدل ( هل انا بخير؟)

    1. حسين مكي المتروك يقول:

      للأسف هُم حقاً هكذا. من يعاني من هذا الاضطراب يغرق في شبر من الحُزن. يتداخله اليأس.

  2. نورسًا ♥️✨? يقول:

    كيف يمكن انتشال هؤلاء الاشخاص من شبر الحزن و هم في حال يجعلهم مع كل ريح ضيق خفيفة غرقوا في يأسهم ؟!

    1. حسين مكي المتروك يقول:

      هناك أدوية تساعدهم على التوازن.

ضع تعقيباً ..