أعمالي

في عيد ميلاده ..

(1)

متيّمون نحن بِكُل شيء يرتبط ارتباطاً جميلاً بالحُسين (عليه السلام)، نشعر بالانتماء لاسمه المقدّس، مولعون بكُل من يخدمه بإخلاص، نستشعر العظمة بالتواصل مع كُل ما يشير له، هذا الهوى الذي يخالط أبداننا يقودنا لصنع المعجزات دون أدنى تعب، يكفينا قول “ياحسين” حتّى نتحرر من الزمن، نخترق المكان، نكونُ طيفاً يجوب في العوالم، بذلكِ الوِرد تُردّ الأبصار التي تاهت في دهاليز الحياة وغاصت في العتمة، وتعود الكلمات الضائعة إلى لسانٍ أخرس، ويعودُ الابن إلى أبويه بعد أن كان ميّتاً. 

(2)

دعوني أخبركم قصّة حصلت لنا في منزلنا، شاهدناها بأم أعيننا، لم ينقلها ناقل ولم يحدّثنا بها خطيب بارع، كوني روائياً لا يعني بأنني مُتمكّن من إلقاء القصص على مسامعكم، لكنّي ولخاطر “زيارة عاشوراء” سأكتفي بنقاطاً متواليةً تقودكم للفهم، قبل 17 عام وُلدَ أخي الصغير “مُحسن” -بالمُناسبة أسميناه بهذا الاسم تيمناً باسم شهيد الولاية المُحسن / المحسّن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)- وما بعد الولادة كانت بداية حكاية الموت، الفريق الطبّي المُشرف على الطفل أشار إلى احتمالية وفاة الطفل خلال ساعات، وأنّ أنفاسُه ليست مناسبة للبقاء على هذه الأرض، وأبلغوا والدي بأنّ الطفلَ قد يرحل في اللحظات القادمة من هذه الحياة، وفي تلك الأثناء اتصل والدي بسماحة الشهيد آية الله السيد محمد رضا الشيرازي -رحمه الله- ليسأله الدُعاء، فما كان من سماحة السيّد رحمه الله إلا وأنْ قال لوالدي عليكَ بقراءة زيارة عاشوراء كاملةً أربعينَ ليلةً متواصلةً، ونذر الذبائح باسم الأئمة الأطهار، وبدأ والدي بهذا الأمر منذ تلك اللحظة، واليوم أخي الصغير ولله الحمد حيٌ يُرزق برعاية “زيارة عاشوراء”.

(3)

إن الإمام الحُسين (عليه السلام) وأصحابَه في يوم عاشوراء قلبوا الموازين فعلياً، ننصتْ لصدى التاريخ، نسمعْ ذلك القول “لا نبالي أًوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا”، هادم اللذّات لم يكن حضوره طبيعيَا في محضرِ سيّد الشهداء (عليه السلام)، مُغرمون هُم بهذا الإنسان النورانيّ العظيم، في حضوره كان الموت كرامة، يمنّ بها حُبه عليهم، افتتانهم بهذا الطود لم يكن مُجرّد كلمات بل أفعال لا نظير لها في التاريخ، حتّى قال: “والله لو علمت أني أقتل ثم أُحيى ثم أحرق ثم أُذرى، ويُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما تركتك” هذا هوَ جنون من أصابهم العشق بسهمه، أكمل .. أكملَ بكلمات تدلّ على فعلٍ نفيسٍ جداً “إنما هي قتلة واحدة ثم الكرامة إلى الأبد”، بذل الروح شيءٌ لا يمكن التنصّل منه، فما بعد الموت، حياة أخرى، بعيداً عن هذه الدُنيا، هُم أيقنوا بأنّ ساعة الميلاد هيَ ساعة الاستشهاد، سلّموا الروح، وأيّ تسليم كان، صاروا “أوفى أصحاب” وكان “سيّد الشهداء أجمعين”.

(4)

بالأمس جلستُ لوحدي، أبحث عن جديد أكتبه، أبحث عن حكاية أخرى أرويها لكم، لكنّي تراجعت، وتجلّت في خيالي لحظة الميلاد، عالمُ ما قبل العوالم، هُناك حيث كان نور من قال: “حسينٌ منّي وأنا من حُسين”، قبل أن يفتح أبونا آدم عينه للمرّة الأولى، قبل أن نعرف تهجئة اسم الحسين المقدّس، قبل أن نكون، كان هوَ النور في العوالم، خامس الخمسة، وكانت الملائكة وأشياء لا أعرفُ لها اسماً. روحيَ المسكينة عاجزة عن الوصف، فالخيال وإن كان جبّاراً، إلا أنّه قاصر عن الكثير، لهذا انتقلتُ مُسرعاً إلى “وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا” فكانت لحظة الميلاد الأولى لاسمه على لسانِ آدم، لحظة الدَمعة الأولى، لحظة النحيب الأوّل. لحظة وجود طبيب قلوبنا في صُلب آدم وبنيه الذين حملوا السرّ المقدّس، حفظوه، سرّ الخلود، ماء الحياة العُظمى، هواء المَجد الباهر، حفظوا “اسم الحُسين” في وجدانهم.

هوَ سرُّ الحُكماء، سرُّ الأولياء، الذي كُشف للملأ عنه في يوم الثالث من شهر شعبان المُعظّم في الرابع من الهجرة المباركة، تنزّلت ملائكة ربّي والروح فيها، يحملون “فطرس” وهم على ثقة، بذلك النور، بذلك الوهج البديع، بذلك السرّ العظيم، تنّزلوا ليغرفوا من رحمة الله الواسعة، ليكتبوا في صحائفهم، تباركنا في هذا اليوم بزيارة سيّد الشهداء الإمام الحُسين (عليه السلام) من هوَ مِنَ النور الأوّل.

 (5)

في كُل يوم نكتشف الجديد في عالم الإمام الحُسين (عليه السلام) في كل يوم نبتكر الجديد، هل تعرفون مخلوقاً كُتب فيه شعراً ابداعياً بقدر ما كُتب في الإمام الحُسين (عليه السلام)؟ هل تعرفون شخصاً يرفع من خدَمته ليكونوا مشاهير في هذه الأرض؟ هل تعرفون شخصاً قيل فيه “احنا غير حسين ما عدنا وسيلة”؟ هل تعرفون شخصاً يقول فيه المُحبّون في كُل حين “وقليلٌ تتلفُ الأرواح في رزء الحُسين”؟.

في كُل عام وفي الليالي الشعبانية العظيمة يهبط جمعٌ من الملائكة وبرفقتهم “فطرس” ذلك المكسور الجناح، في كُل عام يعفّر جناحه على مهد الحُسين (عليه السلام) ويناجي ربّه بمن هوَ سيّد الشهداء .. أما نحن؛ مقصّرون، وفي كل عام نأتي إلى عيد ميلاده المبجّل ونقول “لبيكَ يا حسين” لبيكَ داعي الله.

سيبقى الإمام الحسين (عليه السلام) خالداً، وسنرحل جميعاً –أطال الله في أعماركم- فليكُن السؤال .. ماذا صنعنا للحسين (عليه السلام)؟ وكيف نرتبط بهذا الطود.

(*)

وآخر دعوانا أن الحمدلله ربّ العالمين، وكُل عامٍ وأنتمُ بالحسين (عليه السلام) أنقى أتقى أكثر قُرباً للحُسين (عليه السلام) وشعائره المقدّسة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء محمّد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.


هذه الكلمات ألقيت على منصّة حسينية الحاج أحمد عاشور في دولة الكويت في تاريخ 10/5/2016 بمناسبة ذكرى ميلاد سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وإمامُنا زين العابدين السجّاد (عليه السلام) والراية من عسكر الحُسين العبّاس بن علي (عليه السلام). إذا تحصّلت على الفيديو الخاص بها -كانت تجربة جديدة بالنسبة لي- سأعيد رفعه لكم إن شاء الله.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “في عيد ميلاده ..”

  1. سكينه محمد يقول:

    في عيد ميلاده
    كانت مقالةجداآآ رائعة احسنت وصفت القليل ماتعجز قلوبنا وصفه عن عظمة سيد الشهداء

اترك رداً على سكينه محمد إلغاء الرد