أعمالي

شيء من راوية

محاكاة الوجع أمر مُتعبٌ جدًّا، بدأت بالإحساس بأنها آخر أيامي المثقلة بالذكريات، رجوت ربّي أن أبقى ما بقيَ موسى بن جعفر حيًّا على هذه الأرض، وسأبقى أضيء شموعي في أركان المحطات الغابرة لعلَّ التأريخ يتغيّر ويصنع شيئاً مختلفاً في حق آل محمد، سأبقى ألملم الجراحات لتُدوّن جميعها في كتاب التاريخ المشوّه بالطغيان، وتمادى الحزن في دمي حتّى بات مصدراً للحياة التي تسير بخطوات حذرة في عروقي الدقيقة، فعروقنا معشر الرمال لا تُرى بالعين المُجرّدة لكنّها هادرة نابضة والحركة فيها كحركة الشلّال الذي يرمي بمائه من أعالي الجبال ليتحطّم على صخرة عميقة. 

أيام الأسبوع صارت كلّها يوماً واحداً، شريدة هي الأيام من بين يديه في السجن العميق، تنزوي الدقائق خجِلةً منه، وعيون الحيطان لا تنام، ودنت السماء فتدلّت فانكبت الغيوم تقبّل دموعه المنهمرة، تبحث عن إجابة بمقدار حرف على سطر، تزرع على صدر الأرض زهرة معوجَّة في فصل خريف آسن، ما هذا الحزن الذي ينخر جسم الأرض؟.

مدائن العشق مظلمة، وعروش الظلم تعالت فوق بُرج الحقيقة لتضع راية خُطّت عليها حكاية اقتلاع موسى من هذه الحياة!، إلى أين الطريق، وقضبان السجن تتأوَّه وتُعاتب الشمس،

– لماذا لم تتمكني من صهري؟

– أعاتب الوقت دائماً يا صديقتي، فالليل باستمرار يُمسك خنجره ليشق جلبابي ويفترش السماء.

– تكاثري، كوني كثيرة، صيري مجنونة، أعلني ثورة، تعاقبي لتكون الدنيا نهاراً ومن ثَمّ نهارٌ آخر، من غير أن يحتّل السماء الظلام.

– أنتِ تُهلكينني.

– لماذا لديكِ الحق بأن تُعلني نهاية يوم، وتُسدلي الستار ويصفّق الجمهور لكِ وكأنّك الحكاية الأهم، وأنا لا أمتلك الحق لأبتعد وأزعزع نفسي من بين النتوءات الصغيرة التي غُرستُ فيها، ليفرّج عن هذا الإنسان الرائع من هذه الغرفة، فالتيه غلّفني منذ أن أسكنوه هنا.

– رويداً رويداً، فتسرّب كلماتك يؤلمني،..

– تمزّقت جميع أحلامي التي كانت تعبق بتطهير هذا الكوكب من شرّ المجرمين، فأنا الآن خادمٌ  للطغاة.

لطالما أحسّت القضبان بأنها في حلم وأنّ الساكن خلفها مُجرّد مجرمٌ آخر من عالم الطغيان، إلا أنّها كانت تدخل في دوامة النحيب فور رؤيته ساجداً خاضعاً لله تعالى، قلق رهيب يصيبها في كل مرّة يدخل فيها أحد المتسللين لينهل من نمير علمه وفضله.

السندي بن شاهك دخل فجأة إلى السجن وفي يديه سوط يضرب به الأرض، صوتُ صهيله يصل إلى من يسكن لحود الأرض من شدّة ضربته، وحبوب الرمال تتطاير فور سقوط ضربته على وجه الأرض، والريح تصارع هذا السوط فخيوطه تعاند كل شيء سوى ارتدادها عن جسد شيء ما!، أما ما يمكنها اختراقه فتخترقه وكأنها سيف حاد قطع المسافة ما بين رأس ورقة صغيرة ونهايتها، وحالة الحرّاس في قلق وخوف شديد، فَهُم على علم بأن الساكن في إحدى الغرف هو موسى بن جعفر العدو الأول للسلطات، وأنّ هذا الإنسان يمثّل العدالة والرحمة، والحاكم لا يرغب في وجوده بين الأوساط خوفاً على مُلكه، ويعلم الحرس بأنهم يسمحون لبعض عشّاق هذا الإنسان بلقائه خفية، والسندي لا يفقه جزءاً واحداً من علوم الرحمة البشرية، غضبه أيقظ الموتى من سباتهم العميق، أطلق سهماً من فمه جهة الشمس،

– انهض أيها الساحر.

وكان الكاظم ساجداً للَّه تعالى، وهدوؤه المعتاد الذي يصنع تراتيل يُترنّم بنغمها ساعة انطلاق الفجر لاحتلال السماء، رفع رأسه ببطء شديد جدًّا، وما إن بان خدّه النبوي حتّى رفع السندي يده بسرعة كبيرة وسوطه تعالى معه، حتّى وصل إلى سقف الدنيا وظهرت تقاسيم الغضب في خيوطه والشرر يتطاير في المكان والشياطين ترقص رافعة كؤوس النبيذ، والدنيا أعلنت ثورتها فأرعدت وأبرقت والسنديّ لا يُظهر خشيةً منها، وسوطه في رحلته الأطول في تاريخه يرسم ملامح حياة أخرى خلف ستار السجن، وبكل صلابة تلوّت خيوطه على نفسها مشكّلة دائرة شيطانية محاولة استجماع قواها من عضد بن شاهك، في تلك اللحظة شاهدتُ عيني موسى وهُما تلمعان ببريق لم أعهد أن أراه وهمسات خافتة من شفاهه الذابلة من شدّة العطش،

– عمتي زينب، آجَرَكِ اللَّه.

واكتست الجدران لون السواد، ورائحة العتمة طغت على المكان، وتسابقت الخيوط المظلمة نحو خدّه لتفوز برضا السندي، وخده لا يزال ناصعاً كثوب نبيّ لم تُنهكه دعوة البشر لتوحيد اللَّه بعد، وحُلي الطاغية تُصدر ضجيجاً عالياً باصطكاكها جرّاء حركة ابن شاهك السريعة، واقتربت الخيوط من خدّه فاشتمت عطراً مُحمّديًّا –أنا على يقين من هذا الأمر- ولم تنهر نفسها أو تتهاوى أرضاً بل ارتطمت بخدّه الناصع بقوّة عاصفة فانحنى وجهه وتطايرت دماؤه في الغرفة وتناثرت في كل زاوية، وشعَّ من القطرات نور عظيم، مهيب، حزين، والجدران والأرض وصخورها زُلزِلَت؛ رفع رأسه وجفناه مطبقان وخطابه الأبدي:

– الحمدللَّه رب العالمين.

واهتاج السندي غاضباً، لا يعرف ماذا يقول لكنَّ سمومه التي اعتاد على بثّها في وجه موسى خرجت،

– كيفَ سحرتَ بغداد وفتنتَها، كانت مطيعة فأصبحت عاصيةً مذنبةً وعصيّةً علينا!.

والإمام الكاظم رُوحي الصغيرةُ فداه، يأخذ شهيقاً عميقاً ويزفرُ زفرة تتهاوى من شدّة حزنها الجبال الرواسي، وتفيض البحار الممتدة على سطح الكوكب، ولا يُجيب عن سؤال السندي الملتوي.

خرج السندي بعد أن شاهد عيني موسى قد غرقتا بالدماء، واعتراه الخوف من موت موسى في اللحظات القادمة، وكأنه أرسل رسالة إلى عالم برزخه:

– أني أنا السندي بن شاهك، ضربت موسى بن جعفر على حرِّ وجهه بسوطِيَ الطويل، ما أنتِ صانعة بجسدي أيتها النار الحاطمة!.

ولحقتُ به علّي أعرف إلامَ يرمي هذا اللعين، جُلّ ما اكتشفت أنّهم يُخططون لاغتيال حبيبي موسى، فهمساته في أذن هارون كانت سريعة وأنفاسه متقطعة وهارون أمر برُطَب جديد وسلكٍ من حديد.


فصل (آخر الليالي) من روايتي (راوية)
عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام)

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..