أفكاري

عن العبّاس

مرساة ثقيلة كانت تُكبّل الكلمات تجذب الأيتام اتجاه البُكاء بلا دموع، رسَتْ قلوبهم على شاطئ العبّاس، وجوه نحيلة تشير بأعينها اتجاه النهر، فالشفاه الذابلة غير قادرة على الحركة، القُروح ظهرت في مُختلف أنحاء الأجسام التي اعتصرت أنفسها علّها توفّر الماء لكُل هذا العطش الذي هجم مُمزّقاً كُل ما هوَ رقيق في عالم الطفولة، الأعين جحظت، والقلوب تفتّتْ، والأيادي تقرّحت، والأرجل لم تعد تقوى على حمل هيكل العظام المكسو بثوبٍ شفّاف يُسميه البعض جِلد إلا أنّه في يوم عاشوراء افتقد خواصه البديعة، وصارَ حارقاً مؤلماً جافّاً لا شبيه له، صارَ وزناً زائداً عن الحاجة في لحظة الفرار من نيران الخيام. 

امتزج صوت الأيتام، بحثاً عن الماء، كسَروا بذلك النداء كُل الصّمت الذي أطبق على الحناجر، تمزّقت أوتارهم الجافّة لتُنطق الكلمة التي حرّكت “جيش الحُسين –عليه السلام- كاملاً” المتمثّل في شخص “العبّاس –عليه السلام-“، صاحوا بصوتٍ تتفجّر السماوات دماً لسماعه، بهديرٍ أرعب أبناء البغايا في معسكر ابن أبيه، نادوا بكُل رجاء “يعبّاس جيب الماي لسكينة”، صرخوا حتّى سقط الصوت من حناجرهم “العطش” كان الصوت الأخير، كانت النظرة الأخيرة لعمّهم ساقي العُطاشى، رمزُ البُطولة وتِكرار جدّهم الكرّار في ساحة الوغى، نظرةٌ مليئةٌ بالخوف، والأمل. فالعَلامة من عسكَرِ الحُسين –عليه السلام- أخذ يخطو اتجاه النهر.

تحرّك النور البهي “قمر بني هاشم” بعد أن أخذ الإذن من سيّد الشهداء، لطلب الماء لكُل هذا العَطش المُحيط بالعائلة، “صاحب اللواء”، أرعدَ، أبرقَ. ومن ثُم أمطر موتاً، خطف أرواح مَن منعه من الماء، من وقَف أمامه لُعنَ وأرسل إلى جهنّم، لم يتوقّف سيفه، مزّقهم تمزيقاً كانوا “كالعهن المنفوش” في لحظات تُشبه “القارعة”، هربَ من هرب، وهلك من هلك، طاردهم “دمدم عليهم” فجّر ينابيع مشاعره، في كُل ثانية صورةُ طفلِ تتراءى أمامه، ثغرُ رضيع مُمزّق يُرسم. ملك الشريعة، أحنى ظهره قبض على الماء بمينه، وندب:

يا نفسُ من بعدِ الحُسينِ هوني، وبعدهُ لا كُنتِ أن تكونِ
هذا حُسينٌ واردُ المنون، وتشربين باردَ المعينِ

ملأ القِربة بالماء الزُلال، بدأت أمواج الغَدر تعلو، توقّف الزمان عن الحركة، اختلت حركة “اللواء” المرفرف، تسارع اللواء بـ الانحناء/ الالتفاف/ الاقتراب من الأرض، ملأ صوتَه وصدح:

لا أرهبُ الموتَ إذا الموتُ زقا، حتّى أوارى في المصاليت لُقا
إنّي أنا العبّاس أغدو بالسّقا، لا أهاب الموتَ يوم المُلتقى

أذاقهم عذاب الحميم، كشف لهم عن نيران الجحيم، لم يهدأ لهم فِكر؛ إن وصل المُخيّم بهذه القِربة قد يتقوّى وتُباد عساكر ابن أبيه كما تُباد الغيوم من السماء، قد يُنفخ في الصور فيُصعقون، قد تقع “الواقعة”، هذا سيفُ حيدر. فكمن له اللعين “زيد الجهني” برفقة اللعين “حكيم السنبسي” فضُربه “زيدٌ” على يمينه ومال الكونُ معه، أخذ السيف بشماله وهوَ ينادي:

واللهِ إن قطعتُم يميني، إنّي أحامي أبداً عن ديني
وعن إمامٍ صادقِ اليقين، نجل النبي الطاهرِ الأمينِ

وضُرب مُجدداً؛ على شماله بعد أن اختبأ “حكيم السنبسي” خلف نخلة، فقُطت شماله، حيث استقرّت الراية، حيث احتواها بِكُل بأسٍ، عاصفةُ النور، وتفجّر الدم، مُعلناً لحظة النهاية ..

يا نَفسُ لا تخشيْ من الكُفّار، وأبشري برحمةِ الجبّارِ
مع النبي المُصطفى المُختار، قدْ قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم ياربّ حرّ النارِ

لمْ ينسَ أنّه “صاحب اللواء”، تحرّك بخطواتٍ ثقيلة، أمنوا سيفه، فتكاثروا كالضباع، كُلٌ يُجرّح جُزء، أمطروه بالسهام، قُتلت قِربته، سال الماء، تشظّى غضبه، رفع رأسه، فنبت السَهم في عينه، زمجرَ أسد بني هاشم، فهوى لعين بعمود على رأسه. تناثرت الدماء. سقطَ اللواء مُمزقاً صمتَ مُخيّم الحُسين (عليه السلام). ضجَّ:

عليكَ منّي السلام يا أبا عبدالله.

××

خرجَ ليُحضر الماء؛ دارت رحى الحرب. ماذا لو كانَ مُتجهاً للقتال؟

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “عن العبّاس”

  1. hashim1984 يقول:

    السلام على قمر بني هاشم
    السلام على أبو الفضل العباس
    عظم الله أجوركم

ضع تعقيباً ..