أفكاري

عطّل فكرة الموت

عطّل فكرة الموت، هاجمها وهيَ تُطل برأسها على القافلة التي تطوف البلاد لتصل إلى ساحة موتها، عطّلها بكلماتٍ مُرعبة، كان يتجّه للموت بقدميه، يبحث عنه، علّم الشُبّان فنّه، فنَسمع عن ابن عمّه وهوَ يقول: “يا عمّاه الموت في نُصرتك أحلى من العسل”، هذا الاستخفاف والإسقاط لهذه الهيبة المُحيطة بالموت لهوَ أمرٌ عجيب، فالأكبر قبل تلك اللحظة الحاسمة ومنذ الحضور الأوّل ترنّم وقال: “ألسنا على حق؟؛ إذاً لا نُبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموتُ علينا”، بهذه الكلمات أعلنها مُدويّة، بأنّ الحُسين (عليه السلام) يستحق كُل وجوده، لا مُجرّد جسمه المُتجّه إلى الموت، والده، إمامه، حبيب قلبه، لم يكن مُجرّد إنسان، بل كان هوَ الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله). 

في ساحة الطف/ الموت كان للخيل حكايات مُثيرة، فتارةً تجد الفرسَ يمتنع عن شُرب الماء، وفي مكانٍ آخر تجده ينتحب ويحطّم حياته، ومع عليّ الأكبر (عليه السلام) كانت الحكاية مُختلفة (الجناح) فرسٌ أصيل ارتقاه ابن الحُسين (عليه السلام) قُرّة العين، بعد أن استأذن ليبرز للقتال، العطش يُحاصر قواه، أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله (صلى الله عليه وآله)، خرج وهوَ يرتجز:

أنَا عَليّ بن الحسين بن علي ** نحنُ وبيت الله أولَى بِالنّبي
تالله لا يَحكُمُ فينا ابنُ الدّعي **أطعَنكم بالرُمحِ حتىَ ينثنيْ
أضرِبُ بالسّيفِ أحامِي عَن أبي ** ضَربَ غُلامٍ هَاشِميٍّ عَلوي

شمسٌ تسرق كُل قطرات الماء المتبقية في جسم الأكبر، وأرض مليئةٌ بالموتى، جفّت شفتاه –جفاف الموتى- رئتاه امتلأت بالغُبار، تحشرج الهواء، حُشر. قريبٌ هوَ من الرحيل، بعيدٌ عن إبادتهم، نُسجَ الأسى على مُحيّاه، عاد إلى أغلى البشر، خلّف في ميدان القتال قتلى وجرحى لهم أنين.

“أبتاه العطش”

تدمرّت قواه، العطش استولى على جسمه، هيكلاً جافاً سيتركه على الرمضاء، مُقاتلٌ شرس تسمّى باسم العطش هاجم مُخيّم الحُسين (عليه السلام)، خطف الجميع، -ألا لعنة الله على منع الماء عن الحُسين (عليه السلام) وآله-، كمن له “مُرّة بن منقذ العبدي” لعنة الله عليه، طُعِن الابن العطشان، سالت الدماء، غرقت عيون (الجناح) هارباً من الأعداء مُتجهاً إليهم، أرادوا حرق قلب والده، طعنوه بطعنات، قطّعوه، طحنوه، سحقوا ما تبقّى فيه من روح.

“على الدُنيا بعدك العفا”

قالتها وضجّ مُخيم الحُسين، قالها وكادت روحه أن ترحل إلى بارئها، قالها والصُراخ اعتلى، قالها وتمدّد بجانبه.

××

على مثلِ الأكبر، أطبّر. أجزَع.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “عطّل فكرة الموت”

  1. hashim1984 يقول:

    السلام على شبيه رسول الله (محمد المصطفى) صلى الله عليه وآله وسلم
    السلام على سيدنا علي الأكبر
    مأجورين

ضع تعقيباً ..