أعمالي

ضلعٌ أخر .. في بغداد.

بالأمس.

بُكاء، وصوتٌ مبحوح. ينطلق موكب المفجوعين بفقد حبيبٍ من الأحبّة، يتعثرّ صُراخهم بالأسى، وتتفتّق قيمة الحِرمان في قلوبهم، ويبدأ سرير العُبور إلى العالم الآخر بالارتفاع فوق الرؤوس، وبأيديهم شموع تكوّنت من دموعهم، يطوفون بغداد بحثاً عن مقابر قُريش حيث دُفن “الإمام موسى بن جعفر”، حيث يجب أن يكون محبوبهم المسموم، حيث يجب أن يُودع هذا الجسد الطاهر، هذا الجسد الذي تُرك وحيداً يُعاني فتكَ السُّم، هذا الجسد الذي تفتت كبده، ولم يُروى بشربة ماء، هذا الضلع الذي هوَ من ضلوع فاطمة.

بغداد لم يُراودها النوم في الـ 29 من ذي القعدة في العام الـ 220هـ، فالسماء غاضبة، والأرض مُشتعلة، ففي ذلك اليوم قُتل المُبعَد عن مدينة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الساكن بغداد، لم يتلوّن الليل في ذلك اليوم، اكتسى حُلة السواد، فالإمام التاسع مُحمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم جميعاً السلام)؛ الإمام الجواد ارتحل ولم يُكمل عامه السادس والعشرون لم يُكمل رحلة حياته، أيَ غيرةٍ كانت، أي حِقدٍ غُرس في قلوب القَتلة، سميّ رسول الله قضى مسموماً، وحيداً بعيداً عن عشيرته.

-لهفي على المكسورة الأضلاع- تناثرت ضلوع من فاطمة الزهراء (عليها السلام) في كُل بقعة من بقاع ما يُسمى بالبِلاد الإسلامية، وفي كُل حين تُكسر، ويسمع العالم أجمعه صدى الكسر، تارةً بالسيف وتارةً أخرى بالسُّم، ما ذنبها؟ ما ذنب أبناؤها؟ حاول القوم بترهم، إلا أنّهم كانوا يورقون في كُل حيل ألف ألف زهرة فوّاحة، بسم فاطمة الزهراء كانت البداية، ومن أجلها تكون النهاية.

××

اليوم.

أمسكت قلبي، أمسكته كما لم أمسكه مسبقاً، وجدته ينبض بحرارة، يعتصِر وينتفخ، يبث شكواه بلا تَردّد، يحدّثني، يحرّكني اتجاه مُصيبة عاشوراء، ففي كُل إمام نجدُ أثراً للحُسين (عليه السلام) وفي كُل حدث مُشجي نجد عاشوراء حاضرة بكاملها. جَرحٌ ولا ضماد غير الدمّ المتجلّط فوق الوديان الدامية، عجزٌ وبُرودة تَتَّكِئُ على خاصرة الزمن، فالفارق أعوام وأعوام، إلا أنّ الفاعل لا يتنفّس إلا لُغة الموت والقَتل.

شهقة الموت الأخيرة، دائماً ما تُثيرني هذه التفاصيل، تُحفّزني اتجاه الكتابة، في أيّ اتجاه كانت؟ كلمة الرحيل ماذا كانت ولمن؟ إلى أيّ الديار وجّه نداءه الأخير؟ هل كانت نظرةً باتجاه النجف الأشرف ونداء “شهر عن سلمان وتعنّيته” أم كانت اتجاه كربلاء المقدّسة ونداء “أنا لا أنسى الحُسين وهوَ دامي الودجين” أم كانت أعمق بعُمق كَسر ضلع أمّه فاطمة الزهراء “شلون أنسى فاطمة وكسر الضلع؟”، هل كانت عمّته “زينب” حاضرة في كلماته الأخيرة؟ أم حضرت عمّته “رُقيّة”؟ إلى أينَ سيّدي كُنت تتجّه بكُلّك؟ يا باب المُراد.

××

عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام)، ونسأل من الله أن يرزقنا في القريب العاجل زيارته وفي الآخرةِ شفاعته.

ضِلعٌ آخر من ضُلوع الزهراء كُسر في بغداد ..

 

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

‏5 رأي حول “ضلعٌ أخر .. في بغداد.”

  1. hashim1984 يقول:

    عظم الله أجوركم بذكرى شهادة الإمام محمد الجواد (عليه السلام)

  2. زينب يا أملي يقول:

    عظم الله أجوركم بهذه الذكرى الأليمة شهادة الإمام الجواد علية السلام أحسنتم بارك الله في قلمكم

  3. زينب يقول:

    كم هي عظيمةٌ هذه الكلمات أحسنتم ليتقبلها مولاي الجواد بقبولٍ حسن

  4. Nooralwelayh يقول:

    عظم الله اجوركم .. لا املك تعبيرا يفي روعة ما كتبتم
    كاتبة مبتدئة اسأل الله ان يلهمني شيئا من مستواكم الادبي و كتاباتكم التي تلامس القلب ،، اجتهد لعلي اصل بإذن الله

  5. السيد هاشم الساده يقول:

    عايشت احاسيسك أبا علي و تجولت في مدن خاطرتك. ..شكرا لك بحجم السماء

ضع تعقيباً ..