أفكاري

شعيرةُ الشعائر

شعيرة الشعائر، هذه التي أكتب عنها اليوم هيَ الممارسة التي تأخذني باستمرار ناحية كربلاء، لا يُمكنني التفكير بغيرها إن تمّ سؤالي حول أهم شعيرة جزع بإمكانك ممارستها، قبل ممارستي لشعيرة التطبير لم أكن أعلم بأنّني سأتمكن من اختراق حاجز الجَزع لأصل لشيء يُلامس الهلع، كُل ما كان يدور في خيالي بأنّ الطبيعة البشرية تقتضي الوقوف عند هذا الحاجز، أن تبكي أن تضرب نفسك بأقوى قوّة ممكنة، أن تبتعد عن مرحلة التعقّل، فالفاجعة كبيرة جداً، طعنة، تربّع فوق صدره، و… 

كان سؤالي الدائم لنفسي: “كيف تجزع؟ كيف تصل إلى مرحلة جديدة مُختلفة عن تلك المُعتادة؟ وهل من حلول واقعية بإمكانها نقلك إلى ذلك المستوى من الجزع؟”، طبّرت. شعرت. هذه اللحظة المُختطفة من هذه الحياة، هيَ لحظة مشاعر صِرفة، لا يُمكن لأي شخص أن يقول بأنّ هذا الفعل جنوني، لأنّه لا يُمكنك أن تقول عن الشمس هيَ شمس، نعم هذا الجنون هوَ تعقّل حقيقي، هذا الجنون هوَ العقل الذي يجب أن نرتقي إليه، فأن تُحب أن تواسي، أن تتصّرف بشكل غير معقول بالنسبة للكثيرين من البشر، أما سمعتم عن “أويس القرني” كيف أنّه كسّرَ أسنانه بحجر مواساةً للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)؟، لم أكن أتصوّر أنّ هذه الشعيرة فعلاً يُمكنها أخذي إلى تلك الساحة، كربلاء حيث الحُسين (عليه السلام) على الثرى نسجُ الريح أكفانه، لكنّها أخذت بيدي، بعقلي، بقلبي إلى هُناك حيث “السلامُ على الدماء السائلات”.

نُصلّي الفَجر، نُنصت لزيارة عاشوراء المقدّسة، نعيشها قلباً وعقلاً، نُعلنُ جميعا ًبصوتٍ مدوّي “اَللّهُمَّ إنّي أتَقَرَّبُ إلَيْكَ فِي هذَا الْيَوْمِ وَفِي مَوْقِفي هذا” يا سيّد الشُهداء على مرّ العصور، “اَللّهُمَّ إنّي أتَقَرَّبُ إلَيْكَ” بمواساتي لمن طُحنت أضلاعه على رمضاء كربلاء. نبكي ونقول ” اَللّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشّاكِرينَ لَكَ عَلى مُصابِهِمْ اَلْحَمْدُ للهِ عَلى عَظيمِ رَزِيَّتي اَللّهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْوُرُودِ وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَأصْحابِ الْحُسَيْنِ اَلَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ”، ما البُكاء هُنا إلا جُزء يسير من الجَزع الذي نتّجه إليه، نُفجَع، نُطبّر. تسيل الدماء ونصرخ “حيدر” ويبدأ فُرسان الإبكاء/الإدماء بالتحرّك بشكلٍ مُشجي، تُنصت لأصواتهم المبحوحة، المجروحة، تُنصت لهم وهُم يحوّلون النداء إلى “زينب” ويبدأ الضجيج والعجيج، في مُنتصف هذه الرحلة المُبكية تنطلق الحناجر لتصدح بـ “لا تسل يا لائماً عن شجّ رأس العاشقين، أصدرت فتواه زينب مذ رأت رأس الحُسين”، لحظات أكبر من أن تُشرح شِعراً، نثراً.

 شعيرةُ الشعائر هيَ شعيرة التطبير المقدّسة شعيرة الإدماء، لا أعرف شخص يبحث عن الجزع ولا يحضر هذه الشعيرة، وإن كان لا يُطبّر، فمنظر الدماء السائلة وصرخة النداء التي تغرس الألم في القلوب “حيدر” منظر مُشجي، ينقل من يعيشه إلى لحظة ما بعد مصرع سيّد الشهداء (عليه السلام)، حيث آل النبي (صلى الله عليه وآله) مُجزّرين كالأضاحي، مُكسّرة عظامهم، بلا رؤوس مطاعين، هيَ ليستْ ثورة التوابين، هيَ دماء تسيل مواساة. حُزناً. جزعاً.

××

للموت، للقبر، للحشر .. سيبقى ندائي “حيدر”.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأيان حول “شعيرةُ الشعائر”

  1. hashim1984 يقول:

    السلام على الإمام الحسين الشهيد
    عظم الله أجوركم

  2. Hanan يقول:

    هنيىٔاً لكم هذه المواساة …كم تمنيت ان استطيع ممارسة هذه الشعيره ..
    و لطما تمنيت اني كنت موجوده في زمنٍ كان بها ثمن الزيارة يداً اعطيها في سبيل لقاء المحبوب ..و لكن قدر الله ..
    و عظم الله لكم الاجر و الثواب و جعلكم من الآخذين بثاره مع امام منصور من ولده .

اترك رداً على hashim1984 إلغاء الرد