أفكاري

جرح آخر

بقايا الجُروح المَركونة في صدر التاريخ، مُبعثرة الدماء، لكنّها لم تتلاشى، تعلّقت بذكريات آل هاشم، جُرح غاصَ في جسم السِبط الأوّل، حفرَ الخلايا، مزّق كبده، حتّى انتشر اللون الأصفر على مُحياه، والجُرح الآخر فتُح على صدر نعش ابن بنت النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) بأسهم الخيانة التي اشتبكت مع جسده الطاهر. بقايا الجُروح تكوّنت على شكلٍ شابٍ في عُمر الزهور اليانعة، يتحرّك فيأنس الكون برائحة الإمام المُجتبى (عليه السلام)، يتحدّث فتتعطّر الكلمات بحضورها في فمه، كانَ جَرحاً غائراً، هوَ من وصفه سيّد الشُهداء (عليه السلام) بـ “أنت من أخي علامة”. 

في اللحظات الأخيرة، حيث سمعَت وحوش الأرض واعية الحُسين (عليه السلام) وأنصتوا لصوتِ سقوط دمعاته، صار القاسم بن الحَسن (عليه السلام) يطلب الخُروج للقتال بين يديّ غريب كربلاء، فبالأمس قال: الموتُ “ياعمّاه في نُصرتك أحلى من العسل”، إلا أنّ سيّد الشُهداء كان يُعطّله، يُبقيه. ضجّ الماضي في عقل ابن الحسن، عادتَ لحظات رحيل الوالد، تذكّر “عُوذة” رُبطت في كتفه الأمين “حُلها إن أصابك ألمٌ أو غم”، فتحرّكت يداه باتجاهها، فتحها:

” يا ولدي أوصيك أنّك إذا رأيت عمّك الحسين (عليه السلام) في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء فلا تترك الجهاد والبراز لأعداء الله وأعداء رسول الله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلّما نهاك عن البراز عاوده ليأذن لك للبراز، لتحظى بالسعادة الأبدية”

قامَ ليَطلب الإذن الأخير، بسرٍ من أسرار بيت النبوّة، فأذن له، بعد أن أدلى بنصف عمامته على وجهه، -أيّ الأقمار يا أنت يبن الحسن؟- انطلق ناحية الشّر المُطلق المُحيط بخيام ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، انطلق يبحث عن تدميرهم، -أيّ عزْمٍ كُنت تمتلك يبن الحسن؟- يبحث عن تشتيتهم، ارتجزَ وصاح:

إن تُنكروني فأنا ابن الحسن، سبط النبي المصطفى المؤتمن
هذا حُسينٌ كالأسير المُرتهن، بين أناس لا سقوا صوب المزن

قَتل؟، لا بل أفنى حياتهم، صغير العُمر كبير الفِعال، ورثَ الشجاعة العَلوية الحيدرية، أسقط الرجال، تحرّك بِسرعة البرق، لم يهدأ له بال، وسقطت الورقة الأخيرة من حياته في لحظة انقطاع شسع نعله، تحرّك ليَحلّه/ يُعدّله، فكَمن له ملعون من أباليس البَشر فضربه على أمّ رأسه، فجّر ينابيع الدماء الزاكية، سالتْ وليتها لم تسل، نادى بصوت اشتياق: “يا عمّاه أدركني”.

××

والجرح صار.. أعمق، قُتل من يحمل عين الإمام المُجتبى.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “جرح آخر”

  1. hashim1984 يقول:

    السلام على القاسم بن الإمام الحسن المجتبى
    مأجورين

ضع تعقيباً ..