أفكاري

أعترف

أعترف لكم، أعترف بأنني فشلت. سقطت في فخ التسويف. سقطت في وهم النجاح الذي زُيّن لي، توقفت عن تطبيق مفرداتي، عاداتي، أفكاري. هذا الفشل القاسي لم يصل إليَّ دُفعة واحدة، بل أخذ يتهجأ الخطوات، مُفكراً بطريقة لسحقي، وكان الانتصار حليفه، فما أنا إلا بشر شعر بشيء من السعاة اتجاه مُنجزاته، وما هيَ هذه المُنجزات؟ لا شيء حقيقي يُذكر، مُجرّد كلمات هُنا وهُناك.

اكتشفت من خلال هذه الرحلة بأنّ أقسى الرماح هوَ رُمح فقدان الشهية، الشعور باللامسوؤلية اتجاه ما أمتلك، هذا الأمر هوَ الذي سحق كُل ما تبقّى من رغبة بتحقيق شيء في هذه الحياة، وفور ما نفذ هذا الرمح في قلبي حتّى مزّقُ كُل ما يُمكنه تمزيقه، وابتكر الحلول المُعلّبة الجاهزة للبقاء في مكانه.. هذا الرُمح اخترقني وترك الكسَل يتسلل إليْ، سمح للغرور بأكل بقيّة الأفكار، امتلكت العديد من المشاريع لكنّي لم أستمر، لم أحقق مُعادلة الاستمرار، ولعل هذا الفشل درس من دُروس الحياة، أدوّنه لي. لكم. للآخرين الذين يبحثون عن حكايات أناس لم يتمكنوا من صنع شيء يُخلّدهم في ذاكرة البشر أو يترك لكم مساحة في هذا التاريخ المُزدحم الشخصيات الرائعة.

سأذكر لكم بعض النقاط التي أكلت كُل هذه الرغبة، لعل البعض لديه الحلول، ولعل البعض يكون قادر على وقاية نفسه منها:

التوقّف فترة من الزمن بحجّة الراحة أو بمُسمّى لحظات التفكير، إن الراحة الحقيقيّة هيَ في الانجاز، في تحقيق شيء، لا أن تكون عاطلاً عن العمل، نعم لقد خَبرت التوقّف الطويل الذي يقتل كُل الرغبات الساكنة في الإنسان، وخبرت نشوة تحقيق أمر خُطِّطَ له، وشتّان بين الأمرين، التوقّف بحجة الراحة هوَ وسيلة من وسائل الهرب، خصوصاً إذا ما امتَد لفترات أو عاد بشكل مُتقطّع بعد كُل محاولة أو تفكير حقيقي!، تخيّلوا معي، عندما وصلت لمرحلة التفكير لمشروع (علي ميديا.كوم) والتفكير بسُبل إعادته للحياة قضيت فترة طويلة أفكّر بشكل دائري لا نهائي، وبعد كُل فترة أكون راغباً بالراحة لأنني مُنهك من التفكير -الذ هوَ فعلياً لا يتوقّف- وهذا الأمر القاتل للمشاريع، الذي يغرس فيك الملل من كُل شيء، خطرٌ كبير.

الرضا عن إنجازاتك هوَ أحد أكبر الأعداء التي يُمكننا التعرّف عليها لاحقاً، ففرحتك بما أنجزت يجب أن لا تتعدّى لحظات بسيطة، أمّا أن تمتد العُمر كُلّه فهذا الأمر يقودك للتوقّف عن تقديم المزيد شعوراً منك بأنّك قُمت بدورك فعلياً في هذه الحياة، الرضا عن مُنجزاتك خطر كبير يُمكنه تدمير كُل مشاريعك المستقبلية، ويوقِف كُل شيء، هذا الشعور بالاطمئنان خطر جداً، فمن دون الاستمرار ومن دون التخطيط الجاد لأيّامك فأنت مُجرّد شخص يعيش في هذه الحياة، كما هُم بقيّة البشر. ولي تجربة قريبة العهد بهذا الأمر وهيَ تجربة (مدوّنون) التي فشلت فيها بشكلٍ ما، ولله الحمد أنّني لا أدير الموقع فعلياً بل هُناك من يقوم بهذا الدور مشكوراً جداً على عظيم عطائه، فمنذ الانطلاق كُنت سعيداً بهذا المشروع الذي انطلق ليخدِم الكتّاب بالدرجة الأولى إلا أنني لم أكتب فيه كثيراً وقمت بإعطاء وعود وفشلت بتحقيقها، بالإضافة إلى أنني حاولت تقديم  بعض حلقات (الفيديو) ضمن توسعة المشروع إلا أنني توقفت عن تقديم المزيد شعوراً منّي بالرضا عن ما قمت بتقديمه!، رغم أنّه لم يكن شيء حقيقي مُستمر وإنما فلتة من فلتات الأفكار والتجارب، وأشكر الله أن هُناك من ذكّرني برغبتي بإنشاء قناة جميلة عبر اليوتيوب.

الفوضى هذه الفوضى التي تصلح لوقت مُحدد جداً، الفوضى التي تصنع شيئاً في وقتٍ ما، لكنّها لا تصلح لجميع الأوقات، فالبيئة المُحيطة تحتاج لتخطيط وتنظيم مُميّز، كما أنّ المُرونة لا تعني -الفوضى- أبداً، بل هيَ طريقة أخرى للوصول للإنجاز الذي يُفترض تعيينه، وهذه الخُطط تحتاج لأن تكون صغيرة الحجم لنكون قادرين على تحقيقها بشكل دائم ومُستمر، مُرعبة هذه الفوضى، هيَ تُشعرك بأنّك تُنجز شيء، إلا أنّك فعلياً لا تقوم بشيء سوى بعض الخطوات المُتخبّطة وفي بعض الأحيان تقودنا للإنجاز ولكن بصعوبة بالغة.

التخطيط المُبالغ به، هوَ أحد أسوأ الأعداء، فالتوقيت الملائم والبحث عن الظروف المناسبة هيَ أعذار خطرة جداً، فكُل هذه الأمور لا تجتمع في غالب الأحيان، بل علينا التهيؤ لإطلاق المشاريع وتطويرها خلال حياتها، فأن تُخطط لكل شيء وأن تستمر في تطوير الأمر من خلال التخطيط هوَ أمر أشبه بالتفكير بلا فعل، وهوَ عدو قويّ جداً لم أتمكن من تجاوزه لوحدي في كثير من الأحيان، بل بوجود أصدقاء وأهل يدفعوني للانطلاق وتقديم شيء.

الخوف من الفشل هوَ أحد الأسباب المُخيفة جداً، فأن تكون معاييرنا في المشاريع عالية جداً دون وجود قدرة على تحقيق هذه المعايير يجعلنا نُخفق ونهاب المحاولة البسيطة التي ستنقلنا حتماً في وقتٍ ما مع الالتزام والشغف إلى مستوى مُختلف. أؤمن عبر التجربة أنّ المحاولة هيَ من تصنع الإنجاز، المحاولة هيَ التي تقويّنا سواء كانت ناجحة أم فاشلة، المحاولة هيَ التي تطوّرنا إلى مستوى جديد مع كُل رحلة في عالمها.

من دُون هذا الفشل في هذه الحياة، لن يكون هُناك رغبة في النجاح، من اعتاد على النجاح الدائم في هذه الحياة لم يذق طعم الرغبة في تطوير ذاته عبر التعلّم من عثراته، ونسأل من الله أن نكون من الناجحين في هذه الدنُيا وأن نكون من الفائزين برضوانه في الآخرة.

**

اتصال، رسالة نصيّة، كلمة. كُلها وسائل للتغير، شكراً لمن حاول تقديم شيء من أجلي في هذا اليوم.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

‏9 رأي حول “أعترف”

  1. jassem يقول:

    احسنت وسلمت يمناك

  2. hashim1984 يقول:

    أتمنى لك عودة قوية في مختلف المجالات التي تحبها ان شاء الله

    1. حسين مكي المتروك يقول:

      شكراً على دعمك اللامحدود يا هاشم ..

      1. hashim1984 يقول:

        أهلاً و سهلاً بك أستاذ حسين

  3. لعياء يقول:

    بسم الله خير الأسماء…بسم الله رب الأرض والسماء

    لعل أقسى الضربات وأوجعها تلك التي تكون من الإنسان لنفسه
    تحديداً حين يشعر أن قد خذل نفسه …
    لكن قوة الضربة من شأنها أن توقظنا لنعود … لنستمر … لننجز
    لأننا نستحق بل لأننا نقدر …

    دعاؤنا لكم بدوام بالعناية المهدوية

    1. حسين مكي المتروك يقول:

      لأننا .. نستحق، لأننا نقدر، ..
      شكراً.

  4. دمعة انتظارك يقول:

    النجاح هو الانتقال من فشل الى فشل من دون ان تفقد عزيمتك ورغبتك في انجاز ما تطمح الية.
    تمنياتي لكم بدوام التوفيق ببركة مؤلاتنا الزهراء ع

    1. حسين مكي المتروك يقول:

      تعريف النجاح الذي سطرتموه .. جميل جداً.
      شكراً على الإلهام ..

      موفقين ببركة الحجّة (عجل الله تعالى فرجه)

  5. محمد يقول:

    احسنت

ضع تعقيباً ..