أفكاري

قرأت: أنا ملالا

انطلقت بقراءة مذكّرات (أنا ملالا) للفائزة بجائزة نوبل للسلام (ملالا يوسفزاي) ولم أكن أتوقّع الكثير نظراً لأنني أعلم بأن عُمر هذه الفتاة هوَ 17 عام حالياً، فما هيَ التجربة التي ستتمكن من كتابتها، وما هو الأسلوب الذي ستتخذه في رواية الأحداث لنا نحن القرّاء، إلا أنني تفاجأت بشدّة، فالأسلوب جميل بسيطة (على الرغم من أنّه بمساعدة –كريستينا لامب-)، والحكاية التي عاشتها أكّدت لي كلمة كُنت أرددها باستمرار إلا انني نسيتها: لكل شخص منّا حكاية يُمكنه كتاباتها في وقتٍ ما ليزيد في رصيد الخبرات العالمية في التعامل مع الأحداث.

مع بداية المذكرات انتابني الشعور بأنني حقاً أقرأ لطفلة، تهتم بالألعاب تهتم بالقصص تهتم بكسب حُب والدها، إلا أنني كُنت أصدم بحجم طموحات هذه الفتاة البشتونية الباكستانية، كانت تبحث عن حُريّة التعليم بالدرجة الأولى مقابل مجموعة لا تفقه من الدين إلا رسمه، مذكراتها تحرّك المشاعر في كثير من الفصول، لم أتمكن من التوقف عن القراءة، خصوصاً بعدما قرأت في البداية عن أنّ هُناك من ارتقى ليقف أمامها ويطلق النار في وجهها!، كانت كُل الفصول التي لحقت هذا الفصل هيَ فصول شرح أسباب محاولة اغتيالها، وهذه الأسباب كثيرة منها معارضتها لقرار (طالبان) بعدم السماح للفتيات بالتعلّم والدراسة في المدارس، وإن انطوت تحت هذه المطالب بعض المطالب التي روّجت لها (ملالا) وركّزت عليها في أغلب الصفحات مثل: رغبتها بخلع (الحجاب) أو حتّى (الشال) الذي يغطّي شعرها، على الرغم من أني لم أستقرئ رغبتها بنزعه من الرؤوس، إلا أنّها كانت تطالب بحريتها الشخصية التي تقودها لمعرفة الأسباب والسؤال حول الأمور التي يستعصي فهمها في هذه الحياة.

في الكثير من الفصول نلاحظ أن والدها هوَ المؤسس لهذه الفتاة، كيف أنّه سمح لها بتقديم كُل شيء، والظهور على القنوات التلفزيونية الباكستانية والعالمية، وكيفَ أنّه سمح لها باستخدام القوّة العُظمى (الكتابة) حول الأوضاع في وادي (سوات) الذي تعيش فيه مع عائلتها، وكيفّ أن تنظيم (طالبان) تمكن من غسل الأدمغة بشكل جماعي باسم (الدين) والدين من هذه التصرفات الخرقاء براء، التنشئة هيَ أحد أهم عوامل التطوّر في المستقبل، لا التمرّد على العادات، بل هوَ الوعي الذي قادها لفهم أنّ (العلم نور) بشكل حقيقي. التدوين باسم مستعار كانت له حصّة مؤثّرة في المذكرات، فكتاباتها جعلت العالم يتساءل عن هذه البقعة التي يعيش فيها مجموعة بشرية تستحق الحياة ومجموعة أخرى تستحق أن يُعاد تأهيلها أو سحقها لأنّها تمثّل خطر على المجتمعات بشكل عام. – هُنا لي كلمة بسيطة (لا أؤمن بأننا يجب أن نُحب كُل العالم، فالخير مُستحسن لدى البشر وأحب من يكون خيّر، والشر مُستقبح لدى البشر وأبغض هذا الشر ومن يتطبّع بهذه الأطباع الاستبدادية، لا يمكن أن نكون على وفاق مع العالم أجمع، بل نحن يمكننا أن نكون أصدقاء لمن هُم طيبون، ونكون أعداء لمن هُم مُخرّبون ومُدمّرون).

هيَ حكاية فتاة تمكنت من قهر الخوف، والانتصار على الطُغيان -الباحث عن الدماء-.

في النهاية، هذه المذكرات مُلهمة، وقادرة على إعطاء دفعة معنوية كبيرة حول الإنجاز وقدرة تحقيقه، فالأمثلة كثيرة ولا يسعني ذكرها في مقال بسيط، كما أنّ الإرادة المصاحبة للعلم تقود صاحبها للمجد هوَ ما يمكن قراءته بين السطور. يُمكنني كتابة المزيد والمزيد وتفصيل الشرح حول هذه المذكرات إلا أنني أفضّل لكم قراءة الـ 400 صفحة بكل هدوء، لمعرفة الكثير من مشاكل العالم الإسلامي لا فقط باكستان، وأضمن لكم بأنّ هذه المعرفة ستكون بلغة سهلة بسيطة لا تحتاج إلى فهم مسبق لعالم الساسة –هُناك الكثير من النقد لهم في الكتاب- ولا نحتاج إلا لمعرفة أساسيات الحياة، لنتمكن من فهم مطالب هذه الشابّة التي أطلق النار على وجهها شخص يتبنّى الفكر الطالباني التكفيري الهمجي.

يُمكنني القول بأنّها تهجّمت على بعض الآراء الإسلامية، وبعض الأفكار الإسلامية، وأؤمن بأنّ التشويه الذي طال هذه الأفكار في محيطها هوَ أحد أكبر الأسباب لكتابتها بعض الكلمات ضد هذه الأفكار ومحاربتها للأفكار، وأؤمن بأنّ من يصل إليه الإسلام المُحمّدي الأصيل سيبقى مُتيّمها بالاسلام وتعاليمه، وسيطبّقها طواعية ويدعو لها.

أتمنّى من الجميع أن ينطلقوا ويكتبوا لنا ذكرياتهم ومذكراتهم وتجاربهم وطُرق تعاطيهم مع مشاكل الحياة، يُمكنكم جميعاً ذلك عبر التدوين، وعبر الكتاب المطبوع وغيرها، لا تُسجنوا في عالم (تويتر – المُختزل) فالأمر بحاجة للمزيد من الجهد.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “قرأت: أنا ملالا”

ضع تعقيباً ..