أفكاري

الموهبة لا تكفي

لم تكن الموهبة كافيَة في يوم من الأيّام –إن تواجدت فعلياً هذه المُسماة موهبة-، فهي لم تكن أبداً إلا عبارة عن صلصة إضافية قد تُغيّر تنفيذ المهارة للأفضل، وللأسف أمتلك الكثير من الأصدقاء الذين يتبجحون بأنّهم يمتلكون موهبة حقيقية في عوالمهم أو على النقيض تماماً، فعلى سبيل المثال شاعر يعتقد بأنّه وُلِد وهوَ يعرف علم العروض وفنون البلاغة واللغة، أو لاعب كُرة قدم يعتقد أنّ (ميسي –أفضل لاعب في العالم لعدّة مرّات-) هوَ عبارة عن موهبة خالصة لا يُمكن الوصول لمستواه أو تحدّيه فعلياً!، أو مُصوّر فوتوغرافي لم يتمكن من تطوير نفسه فيُعلل هذا الأمر بالموهبة التي تُميّز بعض المصورين وتجعل البعض الآخر عادياً بل فاشل في هذا المجال!، وعلى هذا الأمر في كُل الفنون التي نُمارسها، أو ما تُسمّى بالمهارات. 

قبل وصول ابني الأوّل علي إلى هذه الحياة كُنت أبحث عن سُبل لتنمية هذا الطفل القادم، وبدأت بجدول قراءات لا بأس به، واقتنيت العديد من الكُتب وبعد وصول ابني الثاني عباس قررت القراءة بشكل مُعمّق وسريع عن طُرق اكتشاف الموهبة، وحاولت أن أجد تعريفاً مُتّفق عليه حول الموهبة إلا أنني لم أجد!، إلا أنّ بعض الباحثين في هذا المجال يقولون بأنّ “هُناك أطفال يولدون ولديهم كميّة مُختلفة من الأفكار، وأحياناً تكون لديهم قدرات خارقة” مع العلم أنّ هؤلاء العلماء كانوا يكتبون بأنّ هذا الأمر (نادر جداً) والغريب في هذا الأمر أنّه لم يُثبت علمياً إلى الآن. وتهافتت الدراسات المُختلفة حول عدم وجود الطفل الموهوب فعلياً – وأنا هُنا في غنى عن استعراض هذه الدراسات وسأضع مرجعيات لا بأس بها في نهاية المقال يُمكنكم مراجعتها في وقت لاحق – وكما وضّحت في بداية المقال بأنّ هذا الأمر وإن تواجد فهوَ عبارة عن صلصة إضافية تُضاف على حسب ذائقة الشخص المُتذوّق. لذا فإن كلمة الموهبة عندما نُطلقها في الهواء هكذا، تكون حاجز خطير جداً يُبنى في عقولنا ويرسل سموماً تُصيبنا بالشلل في كُل حالة فشل، ونبدأ بتعليقها عبارة “لا أمتلك الموهبة المطلوبة” فوق بوابة اخفاقاتنا.

إننا عندما ندرس حياة الناجحين الذين وصلوا إلى العالمية بأدائهم وأفكارهم للوصول إلى أسرار نجاحاتهم، سنجد الكثير من المشتركات، ولعل أهمّها على الإطلاق، استفادتهم من الفرصة التي ظهرت أمامهم ولم يتركوا الأمور كما هيَ بل حاولوا تغيير أنفسهم بدايةً، كما أنّهم امتلكوا أشخاص آمنوا بهم وشجّعوهم فمن دون التأييد والتشجيع يكون الوصول للعالمية والنجاح صعباً –وليس مستحيلاً– ، كما أنّ الكثير من الناجحين توفّر عندهم مُعلّم مميّز فالمُعلم هوَ من يقود الأمّة للنجاحات إذا ما تمكن من تطوير التلميذ بشكل ملائم، ولعل الجانب النفسي مُهم في عامل صناعة الإنسان، كما أنّهم امتلكوا رغبة استثنائية صنعت الشغف لديهم، وأعانهم هذا الشغف في كثير من الأحيان، وأخيراً سنجد أمراً –أعتبره- من أهم الأمور التي صنعت هذه الشخصيات وهوَ التمرين المُستمر الجاد.

وهُناك المزيد من الصفات التي جمعت الشخصيات الرائعة التي نعرفها في حياتنا، مثلاً لاعب كُرة الغولف الشهير (تايغر وود) بدأ بضرب كُرة الغولف وهوَ في الثانية من عُمره، وهذا أدى لرسوخ هذا الأمر لديه وتمرّنه المكثّف لاحقاً ساعده على اتقان العملية بشكل مُذهل، كذلك الكثير من حفظة القرآن الكريم نجد أنّ أمّهاتهم تمكنوا من غرس القرآن الكريم في عقولهم منذ أن كانوا في الأرحام، وبعدها بدأ الأبوين بتعليم الطفل حفظ القرآن بطُرق مُختلفة، ويُمكنكم الاستماع لمايكل جوردان لاعب كُرة السلّة الشهير وهوَ يتحدّث عن هذا الأمر وعن العُذر الذي يضعه البعض في مجال كُرة السلّة، وكذلك يُمنكم مُراجعة تاريخ العُلماء الكبار كيف أفنوا حياتهم في المُطالعة والتدريس مما أعطاهم قدرة عالية على التفكير والاستنباط، الأمر ليس بالسهل، ولكنّه مُمكن التحقيق لهذا علينا عدم الالتفات لعنصر الموهبة كثيراً، بل علينا أن نتقن العملية التي بين أيدينا بأكثر من طريقة.

كاتب كتاب (المُتميّزون) “مالكوم غلادويل” يعتقد أنّ النجاح لا يعتمد على الموهبة نهائياً وفقاً لدراساته الكثيرة في هذه القضية، واستخدم أسلوب الاحصاء لفهم العوامل المُحيطة بالشخصيات الناجحة واكتشف أنّ من نُطلق عليهم موهوبين وهُم شخصيات عالمية عادة أفنوا أوقاتهم بالتمرين بمعدّل 10.000 ساعة على أقل التقادير منذ بداية ارتباطهم بأداء التمارين، وعلى هذا يُمكننا أيضاً رؤية أصدقائنا الناجحين في مجالاتهم، المصورين، الخطاطين، المصممين، الرسامين، الكتّاب، المنشدين، والكثير .. الأروع هُم من استخدموا أوقاتهم بأداء مهام صعبة، وبتمارين مُختلفة.

وقبل النهاية دعوني أخبركم ما هيَ خواص التمرين الناجح:

– أن يكون تمرين مُخصص لتطوير مهارة مُعينة. لا يوجد تمرين يغيّر كل حياتك، بل يوجد تمرين يغيّر شيء في حياتك، وبعدها تنتقل إلى أمر آخر، أو تضيف أمر آخر.

– يمكن تكرار هذا التمرين باستمرار، فلا يكون تمريناً لمرّة واحدة فقط.

– أن يكون مطلوب بشدّة وبشكل عقلي، لكي لا يكون العقل هوَ الحاجز الكبير.

– عادةً التمارين عبارة عن تكرار مُمل، لا تصدّقوا من يقول لكم بأنّ التمارين جميلة وممتعة، بعضها ممتع نعم، ولكنّها عادة مُملة، ولكنها مثمرة، لهذا علينا إجبار أنفسنا في كثير من الأحيان على التمارين المُختلفة.

في نهاية الأمر، أتمنّى لكم تطوّراً عظيماً في مجالاتكم، والنجاح بشكل كبير، الالتزام هوَ أحد الأسرار العظيمة التي يجب أن نلتفت لها بشكل دائم.

يجب أن يكون الفشل/الاخفاق دافع لا عائق.

——————–

بعض المراجع:

– المتميزون – مالكوم غلادويل | كتاب حول النجاح.

– التربية وما ليس بتربية – د.عبدالعظيم كريمي | كتاب حول التربية بطريقة مبتكرة.

– مفاهيم الموهبة – روبرت ستير نبيرغ، جانيت ديفيدسون | حول المفاهيم التي نعتقد أنّها الموهبة.

– دليل الوالدين في تربية الأطفال الموهوبين – جيمس ت. ويب، جانيب ل.غور، إدوارد ر. أمنيد، آرلين ر. دي فرايز | كتاب رائع في طُرق التعامل مع شخصيات الأطفال المُختلفة.

 

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأيان حول “الموهبة لا تكفي”

  1. هاشم توفيق يقول:

    موضوع جميل جداً

  2. 3li 7abeeb يقول:

    فعلا التمرين شي ممل ويزهق بعد .. بس لابد منه ،، بس راح يهون دام الهدف الي يدامك يسوى ..
    موفق خير بو علي وعباس

ضع تعقيباً ..