أعمالي, خواطري

في قلب الذكريات (رُقيّة)

تراكمت الذكريات، والصمت خنق الهواء، وأمسك بيدَ الحياة، يقودها نحو البُكاء!، يقتص هذا الصمت منّي بشكلٍ ما، يحفر بيديه العاريتين قلبي ليودع فيَّ صرخة تكفي لأزلزل العوالم، إلا أنّها تأبى الخروج دفعة واحدة، وتظهر على شكل أنين متقطّع بين الحين والآخر. هوَ الصمت قاهر الخوف، وقامع الشجاعة، ومُعمّر الحِكمة، ومكتشف التأمّل، وآسر العقل في غياهب الأمس!. 

في تمام الساعة الثانية بعد منتصف السَبي، ظهرت ذكريات مُفجعة، تجلّت قافلة مُربّطة بالحبال وقيد يعلتي رقبة رجل، وخطوات تُشبه الموت تظهر على قسمات وجهه، ودماءٌ تكدّست في أفواه الأطفال؛ تظهر فور بُكاء طفلة تبحث والدها، طفلة تُغيّر ملامح القافلة، تظهر أمطار من دموع فور تساؤلاتها، كادت تجود بنفسها في كثير من الأحيان، إلا أنّها كانت تهدي نفسها مُهلة أخيرة، باحثةً أبيها الذي غاب منذ العاشر من شهر مُحرّم الحرام في العام ٦١هـ. علّه يعود في حين من الأحيان، أو يأتي لها عبر طيف في منامها الذي قد تغوص فيه من أجله فقط لا لشيء آخر.

في تمام الساعة الثالثة في وسط خربة الشام، كانت هذه الطفلة تبحث بكل جِد واجتهاد عن حكاية واحدة تسمعها بصوت حبيبها وعظيمها، كانت ترتقي إلى ساحة الموت في كُل دقيقة لعل اللقاء يكون هُناك في السماء أو مكان آخر -لستُ أعرفه!- مكاناً رائعاً لا كالأرض المُحطمّة المليئة بالخوف والجوع والعطش، كانت تصرخ تارة وتهمس تارة، كانت تبحث عن آخر لقاء، آخر نظرة، آخر حكاية، آخر همسة، آخر قُبلة، آخر دمعة، آخر احتضان، آخر فكرة، آخر عِطر اعتلى فوق بدنه، كانت تبحث عن كُل التفاصيل، كانت غارقة في الماضي القريب في رغبة للوصول إلى البعيد، كانت تبحث عن الأيّام التي انزلقت من بين يديها، كُل أفكارها كانت تتجه إلى حبيبها الحُسين (عليه السلام).

في تمام الساعة الثالثة والنصف من رحلة بُكاء، أغمضت عينيها لتُمارس البحث بأسلوبها، بعيداً عن الأعين، بالقرب من الصمت، وهُناك في عالم المنام، شاهدته إلا أنّ المنظر كان ضبابياً، لا الملامح واضحة، ولا الحياة حاضرة، فالصوت يظهر من أورده وشرايين مقطّعة، وكُل نبضة من نبضات القلب تظهر معها علامات دموية تسقط على أرض زجاجية لا نهاية لها، كأن الدماء مُعلّقة في الهواء، فزعت، استيقظت، هلعت، فأيقظت وأبكت كُل الأيتام والنساء، وأصبح النداء: “أريد والدي الحُسين”.

في تمام الساعة الرابعة بعد الجزع والخوف، كانت تُمسك برأسٍ قطّع من المنحر، والكسور رافقت كُل عظمة تُشكّل علامات الوجه، والدماء كانت تُخفي كُل تفاصيل القَتل الوحشية، رُقيّة أخيراً التقت بوالدها، لكنّها لم تتركه بل تشبّثت بلحيته المقطّعة، بشعر رأسه المُتعانق مع الدماء، تشبّثت بروحه التي تحوم، ورحلت عن هذه الأرض، وخيّم الصمت تاركاً وشاحه فوق الرؤوس الحزينة.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “في قلب الذكريات (رُقيّة)”

  1. la3ya2 يقول:

    بسم الله خير الأسماء ….. بسم الله رب الأرض والسماء

    لا والله لم يخيم الصمت بل ضجت الأكوان حزناً على فراق الطفلة
    فلقاؤها بوالدها بالملكوت الأعلى أبكى ملائكة السماء
    كلما أتخيل منظر اللقاء … بل كيف كان اللقاء …؟!
    أغص بالدموع
    هل رمت نفسها بأحضانه … أم قبّلت يده ولم تر خنصره…؟!
    كيف قبلت رأس والدها …؟! 

    { … آه آه يارُقيّه … }

ضع تعقيباً ..