أفكاري, ذكرياتي

في طريق كربلاء

يا ترى هل بإمكان دولة ما استضافة الأربعينية؟ حتى العراق! نعم هل يمكن لأي دولة تنظيم مسيرات مليونية من كل الجهات وفي كل حارة من حارات البلد؟ تساؤل لابُدّ وأن يطرح علانية، لكي يعي المشاهدون حقيقة ما يحصل، هل يمكن للمملكة العربية السعودية استضافة ١٠ ملايين زائر في موسم الحج؟ ويكون كل هؤلاء راضين عن ما حصل معهم، سواء كانوا أغنياء أم فقراء، هل بإمكان كائن بشري السيطرة على كل الحشود الماشية على الأقدام؟ فمن يشاهد بعينيه يرى أنّ الطرقات كلها مملوءة بكائنات بشرية تتحرّك بهدوء نحو كربلاء، ما هذا الذي ينظّم كلْ هؤلاء البشر؟.

كل ما يحصل في كربلاء من تكامل بشري أخلاقي يجعلك تشعر بأنّك تعيش في مدينة فاضلة، شعبها يدير نفسه بنفسه، ليس بحاجة لخطوط النظام فهو بحد ذاته منظم مُحب حقيقي صادق، لولا أفكار الإرهاب لكانت هذه الزيارة كاملة ليست بحاجة للجيش والشرطة للتنظيم، ويمكن للملاحظ أن يشاهد التآلف والتعاون المثير للإعجاب في الطريق إلى كربلاء، والسبب يعود لاقترابهم من الحسين (عليه السلام) وكلّما اقتربوا منه يغمرهم بنور تعاليم محمّدٍ وآله، وما إن يتغلغل هذا النور بين ذرات أجسادهم الميتة بالفساد والقبح حتى تبدأ حياتهم الجميلة بالظهور علناً، وتبدأ حكايات الجمال تنعكس على التصرفات الشخصية لكل من هم في كربلاء، وكلما ابتعدنا عن مركزها النورانيّ كلما شعرنا بالضعف، فهي هالة القوة في الأرض، ومركز نشر الصلاح بين البشر، وقد حاول الطغاة عبر التاريخ طمس كربلاء، كالمتوكّل العباسي، والحجاج الثقفي، وستالين، وصدام حسين، وغيرهم من الطغاة والأحزاب والحركات التي ادّعت أن الإسلام هي من تحدده، عبر القوة والجيوش واستباحة المُدن، وغير الذي يحصل في تاريخنا الحاضر من محاولات تدّعي الصلاح وفي طياتها فساد فكري ضد المدينة الفاضلة وشعائرها.

كثيرون حاولوا طمس مركز الفضيلة في الأرض، والأسباب كثيرة ومنها أن كربلاء تهدد مصالحهم وطغيانهم، فأن يكون الإنسان إنساناً ويكتشف خداعهم ونفاقهم ومكرهم، ذلك أمر لا يبحثون عنه أبداً، ومشكلة كبيرة، فالثورات الفكرية والروحية أخطر بكثير من الثورات العسكرية والسياسية التي فهي تنمي روح الإنسان الثائرة على الظلم والكراهية، هي تزرع روح السلم والسلام والحب والبناء الحقيقي للمجتمعات يكون عبر البناء الروحي الذي لا تتمكن الأنظمة من ايجاده عبر برامجها التنموية.

في كربلاء، تبنى الشخصيات وفق رؤى مدروسة كتبها الإمام الحسين (عليه السلام)، في عام ٦١ هجرية، صالحة لكل زمانٍ ومكان، تخترق الحجب، تهدم وتبني في ذات الوقت، إن كنت ممن تخلفوا عن كربلاء، فكن فيها بروحك العظيمة أيها الإنسان.

——

(*) هذه المقالة كُتبت في الطريق إلى كربلاء المقدّسة، عام 1434هـ / 2013

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..