أفكاري

المَوت مُعلمٌ عظيم

مررت بتجربة قبل سنين طويلة ولكنّها دائماً وأبداً كانت حاضرة أمامي، تُعطيني دروساً في كل لحظة، كُنت برفقة صديق لي يُعاني من مرض السُكّر –رزقكم الله العافية- كُنت احاول استشفاف حالته عبر سؤاله عن محتوى لوحة إعلانية، إلا أنّه وقبل أن يتمكن من نطق الكلمات ارتطمت سيّارته بعامود إنارة كانت ينتظرنا في منتصف الطريق، تسلّقت السيّارة هذا العامود، وتهشّمت، أنا خرجت من السيارة قطعة واحدة أترنّح في الطريق، أنظر إلى دوائر من الألوان لا تشكّل شيئاً مفهوماً، ورائحة الإطارات والزيوت طاغية، وكثير من الدماء الساخنة التي أشعر بها قبل أن أراها وهي تنبع من أنفي وفمي، كُل ما أعرفه في تلك اللحظات أن هُناك شاب لا أعرفه أنقذني عبر إيقاف سيّارته بشكل عرضي في الشارع بعد أن رآني أترنّح خارجاً من السيّارة، كُنت صغيراً نسبياً قد تكون هذه الحادثة قبل عشرة سنين!، لكنّها أمامي لستُ أنساها لكثرة تفاصيلها.

وكان السؤال الذي يطرأ على عقلي باستمرار منذ تلك اللحظة وإلى اليوم هوَ: هل سيكترث العالم لو مِت؟ ماذا لو كُنت ميّتاً بالفعل؟

حضرت العديد من الجنائز، وفقدت الكثير من الأحبّة، من الأقارب والأصدقاء، بكيت حتّى ابتل صدر التُراب، هُم من أعطى للحياة معنى، كيف لا أبكيهم؟ كيف لا أرثيهم، استذكرت كلّ لحظات حياتي معهم، بحثت عن الجميل وتغاضيت عن كُل ما هوَ قبيح، إلا أنني في نهاية الأمر، ليسَ بوسعي إعادتهم إلى هذه الحياة، ليس بوسعي إلا لملمة شتاتي والمُضي نحو قادمٍ مجهول، كيف يُمكننا الصبر بعد أن نودع إنسان في لحده، كيف نتجرّد من الاحساس وننطلق؟ كيف يُمكننا سماع واقعة كربلاء كاملةً وبعدها نبقى هُنا على هذه الأرض في هذه الدُنيا الدنية؟ لستُ أدري.

في لحظة ما، آمنت بأنّ الماضي لن يتغيّر، والمستقبل لم يأتِ لهذا لن أهدر الكثير من الطاقة في التحليل والتنبّؤ!، في لحظة ما كانت الحياة بالنسبة لي مُجرّد رحلة روح في مركبة البدن، نهاية هذه الحياة لا تعني نهايتنا أبداً، فأرواحنا لا تزال تطوف بين العوالم، تنتقل إلى الجانب الآخر من الحياة، نحو مُستقبلها الذي زرعت ماضيه هُنا في حياتنا.

يا تُرى ماذا نريد أن يُكتب عنّا بعد الرحيل؟ كيف نُريد أن يتذكّرنا البشر؟ جرّبوا انتقلوا إلى لحظة مماتكم، كم شخص سيأتي ليقول “إلهي لا نعلم منه إلا خيرا”، من هُم الأصدقاء المقرّبين الذين سينظرون إلى جسدك وهوَ يودع في الحُفرة؟ كيف هُوَ حال أقاربك في هذه اللحظة؟ هل اكتفى الحضور بقراءة الفاتحة والرحيل إلى الأبد ونسيانك؟ لماذا؟ وكيف تبقى حاضراً في العقول والقلوب؟ هل فكّرت بهذا ..؟ فعلاً اكتشفت أنّ الموت هوَ مُعلّمٌ عظيم فما إن نُفكّر به، حتّى تتبخّر ملّذاتنا في الهواء سابحة باحثة عن قلبٍ آخر تُسيطر عليه، هوَ قلبٌ مُلِأ بُحبِ الدُنيا.

عن الإمام علي (عليه السلام): “أوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه، وكيف غفلتكُم عمّا ليس يُغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يُمهلكم؟ فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم”

 أطال الله في أعماركم وأعمار من تُحبّون في الخير والسلام في هذه الحياة المليئة بالدمار والقتل، ونسأل من الله حُسن العاقبة، بحق مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد صلوات الله عليهم إلى قيام يوم الدين.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “المَوت مُعلمٌ عظيم”

  1. Zahraa aboualhassan يقول:

    حقاً الموت معلم عظيم،،،هادم اللذات و الشهوات….اطال الله في عمركم…

ضع تعقيباً ..