خواطري, ذكرياتي

#مشاية_الأربعين – من وحي جئتك

رحلة مُختلفة، ما قبلها كانت حياة، وما بعدها حياةٌ أخرى، ما قبلها كُنت بعيداً جداً، وما بعدها حاولت الاقتراب أكثر وأكثر، هيَ رحلة تضع الإنسان في حالة جديدة لم يعرف لها شكلاً ولا لوناً مسبقاً، حيث الملايين تزحف إلى قبر سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث الطفل الصغير يمشي بعزم يدُكّ الجبال، والشاب المبدع يرثي بصوته الشجي محبوبه، ويغرس خطواته ذلك الكهل ليصل إلى معشوقه الأبديّ، ستُشاهد الزينبيات يحثّون التُراب على رؤوسهن، بحثاً عن زينب (عليها السلام)، في ركب #مشاية_الأربعين قبل سنين اكتشفت أنّ هُناك جامعة دراسية تُسمّى (جامعة عشّاق الحسين) تعلّمت فيها بعض دروس الولاء، والكثير من دروس التواضع. 

في أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، حاولت تدوين كلّ ما شاهدته بحثاً عن تعليق هذه الذكريات في حائط حياتي، بحثت عبر التدوين عن خلود ذكريات كربلاء في عقلي وقلبي، وأبحث عن المزيد إن رُزقت زيارته هذا العام، فما تراه في كربلاء المقدسة لن تراه في أيّ مكانٍ آخر، فلا يُمكنك مُشاهدة طفل يبكي لا لأجل شيء إلا لأنه اشتاق مولاه الحُسين إلا هُناك، ولن تتمكن من إيجاد تاجر يمتلك جبال من الأموال يكنس الطريق الذي تخطو عليه أقدام الزائرين إلا هناك، ولن تجد الفقير الذي نذر جسمه للحُسين (عليه السلام) فأخذ (يُهمّز/ يدلّك) عضلات الزائرين المتصلّبة إلا هناك، في الطريق إلى الطف سترون من يقبّل يدك ليخدمك كرامةً لسيّده، هُناك لا تُقدّر الصورة بثمن، لا تُهدى ولا تباع، فما تُشاهده أنتَ قد لا يُشاهده غيرك من رفاقك، فأنتَ تمتلك عين مُختلفة، ورؤياك فريدة من نوعها.

عندما وصلت إلى ذلك الضريح المقدّس، لم أكن أتصوّر شكله، فقد كُنا نعيش الحرمان بذاته، كُنّا نبحث منذ سنين عن رائحة التفّاح، عن نور حُرِمنا من رؤيته بعيننا المُجرّدة، ولا يمكنني الآن وصف رؤيته، ولا وصف ما يحصل فيك، فكيمياء جسمك تتغيّر، وتبدأ باتخاذ القرارات النهائية بسهولة، وتشعر بالمعجزة وهيَ تمشي في ممرات دمك، هُناك بإمكانك التغيّر فظروف المكان والزمان هُما أنسب مكانين، إن كُنت ممن عاث في الأرض فساداً، فأنتَ الآن أمام فُرصة ثمينة جداً، لا تقدّر بثمن، وقد لا تعود – لم أتمكن من زيارة مرقد الحُسين (عليه السلام) في مناسبة الأربعينية بعد (جئتك) – حقاً نحن بحاجة للتأمّل والتفكّر، لأنّها ترتقي بنا، وتقودنا للتحسّن في حياتنا الدنيوية، والسعي نحو الآخرة بثبات، لحظات الحُسين (عليه السلام) مُختلفة، كم أتحسّر على بعض الأصدقاء الذين وُفّقوا لزيارة الأربعين ولكنّهم يرجعون ليُكملوا المشوار دون تحسّن، بل بعضهم تقوده نفسه الأمّارة بالسوء للمزيد من الأخطاء في حياته، ويغطّي تصرّفاته باسم الحُسين (عليه السلام)!، كم أخشى عليهم من غضب الله، فالضربة قد تكون قاضية، إلهي أسألك حُسن العاقبة.

ولمن لم يوفقوا هذا العام لزيارة الحُسين (عليه السلام) في مناسبة الأربعين، استفيدوا من أحزانكم بالبكاء على الحسين (عليه السلام)، جرّبوا في يوم الأربعين الصعود إلى أعلى نقطة يمكنكم الوصول إليها، تلفّتوا يمنة ويسرة، وليكن نداؤكم يا حسين، وشاركوا الزوّار بالدعاء والبكاء والرثاء، لا تقنطوا أبداً، فالقنوط مُجرّم، قد تكون زيارتكم مقبولةُ عند الله، وتنالون فيها الشفاعة الدائمة، فلا تقصّروا بحق أنفسكم، وعندما تستشعرون وقوفكم أمام الضرح المقدّس، اصرخوا (جئتك .. سيّدي، خُذ بيدي).

كربلاء، ستبقى سيدّة الأرض،

كربلاء، رغم أنفِ الحاقدين، جنّة .. 

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأيان حول “#مشاية_الأربعين – من وحي جئتك”

  1. fatie يقول:

    نعم ، ما أشد لوعة الأشتياق لزيارة المولى أبي عبد الله الحسين ، و سنردد ليجتمع ندائنا مع نداء المشاية و الزوار ” جئناك سيدي يا حسين فخذ بأيدينا ” ، نسأل الله أن يرزقنا في القريب العاجل زيارته و في الآخرة شفاعته

    1. HussainMakki يقول:

      @fatie  فعلاً، الاشتياق لمولانا الحُسين يشتد في كلّ لحظة، حتّى وإن كُنّا بقربه!

ضع تعقيباً ..