أعمالي, أفكاري

قلمٌ جريح – قصّة قصيرة

علّمونا منذ الصغر، كيف نُنصت، كيف نكتب ما يريدون، علّمونا هُم أيضاً كيف نحكي كلَّ ما شاء أحدهم البُكاء وهوَ يضع يديه على صدورنا العارية، إنّهم قرّروا أن يُكسّرونا إذا ما شعروا بالغضب، أجبرونا وأخبرونا أن نعمل ونسكت، ولا نبحث عن صديق جديد، فالأوراق ستهرب من تحت العيون خلال دقائق، لأنّنا سنحوّل البياض إلى سواد، وغرسوا فينا كلّ مبادئهم، فتارة نكون مُفترسين، نغزوا الأوراق لنحوّلها إلى كُتب، تعلّمنا كلّ الفنون مُجبرين، نتركُ إرثاً لا مثيل له بين السطور، كالجبروت ننثر حِبراً يُلاحق كلّ ورقة ناصعة البياض، ونقوم بقتل الكلمات إذا ما شاءت رغبة الكاتب. 

شاهدت بعض الكُتَّاب يُمارسون شتّى أنواع العذاب إذا ما لم يتمكّنوا من كتابة حرف جديد مُبدع، ويُلام القلم وكأنّ العقل عقله والأمر أمره!، لا يدري الكاتب المخبول أنّه هوَ من قرّر تجميد عقله والدوران في فنجان مُعاد تصنيعه عن طريق شركة تخصصت بقتل الخنازير!.

هذه المَرّة قرّروا تركي تحت رحمة كاتبٍ لا يعرف كيف يحترم الأقلام، كلّ ما توقّف عن الكتابة، رمى القلم ناحية النافذة، وأشعل سيجاراً، وشرب من ذات الفنجان المُعاد تصنيعه، وأطلق العنان لصوت التلفاز، ويُقبل ناحية علبة الأقلام ليستَلَّ قلماً جديداً ويَكتب، إنّه يمارس كلّ أنواع التعذيب المُعتمدة وغير المُعتمدة في عالم بني آدم الدموي، إنّه يضع الأقلام في فمه، ويقضم شيئاً منها لكي يتحصّل على بعض الأفكار كما هوَ واضح، ويضعها تارةً بين خصلات شعره في فترات الصمت، وأحياناً عندما يقوم باحتساء كوب من الشاي يقوم بعملية دوران سريعة في الكوب ليُقارع بالقلم قوّة السُكّر ليُذيبه بين ذرّات الشاي!، جنون مُعتم ما يُمارسه هذا الكاتب، والخوف يعتريني، فإحساسي يُشير إلى أنّ المَجنون هذا سيرمي هذا القلم الذي لم تنتهِ فترة حياته الافتراضية إلى الآن، وأسأل من ربّي الرفق، فنحن نعيش حياة العبيد، بطريقة راقية جدًّا، وأرغب بالبقاء على قيد الحياة بعد هذه الجولة التي سيمارس فيها شتّى صنوف العذاب بحقّي، فأنا من المُطالبين بالحرية وفرض قيود على الكُتّاب، فنحنُ في خدمتهم، وهُم أيضاً يجب أن يكونوا في خدمتنا، فيحافظوا علينا وعلى جمالنا وقوّتنا إلى أن نُقرّر الموت، ونحن نتعهّد بالبقاء مُخلصين طوال فترة الحياة، إلَّا أنّ الكُتّاب أمثال هذا الكاتب لا يحترمون شيئًا من هذه المُطالبات، فعلاً رمى كلّ قلمٍ حتّى أنّ أحد الأقلام كان الأجمل بين المجموعة بشهادة الجميع، قُتل بطريقة بشعة جدًّا، سأخبركم بها، ولكن أرجوكم لا تبكوا، إنّه ترك القلم في آلة تشذيب الأقلام حتّى انتهى، وتحوّل القلم إلى قطعٍ من الخشب المبشور في علبة مُغلقة، وفور ما انتهى رمى الخشب المبشور في القمامة بقربه، ومسح العرق الذي تساقط، اعتلى جبينه ومارس رياضته المشهورة مُجدداً، .. نعم إنّه عاد ليُشاهد التلفاز!، ومن ثُم سحب قلماً آخر ليَكُتب به شيئًا، وليته كَتب!.

في تلك الأثناء كان القلم الذي يحاول الكتابة به يصرخُ بقوّة، ولكن لا أحد يسمعه سواي، فنحن في جزيرة الأقلام إلى الآن لا يُصدّقنا أحد، فالكُتّاب هُم أسياد هذه الجزيرة، والعالم من حولنا لا يفقه إلَّا القتل والتشريد، فأبي قُتل في عام 1971م، بسبب مُطالبته بتحرير الأقلام من سطوة الأسياد، فقاموا بإغراقه في بحيرة بعيدة بعض الشيء، وانتهى أمره، .. يا إلهي إنّ القلم الذي يصرخ انكسر طرفه الحاد!، وجُنّ جُنون الكاتب، كأنّ إحساسيَ له مفعول السحر، ها هوَ الآن سيقوم بإرسال هذا القلم إلى الحائط بقوّة ليتحطّم، ويختفي في جهاز يقوم بشفط كلّ شيء يقع أمامه غداً، وهوَ تحت إمرة خادمة لا أعرف عنها سوى أنّها تأتي نهاراً لتُنظّف الفوضى التي كوّنها هذا المخلوق المفترس، ولم أجد طريقة للهروب من بين يديه هذه المرّة، فأنا آخر الأقلام في علبته، والأمر المُحزن هوَ أنني آخر الأقلام من سلالة نادرة الوجود، تُدعى (أقلام سام) تواجدنا في زمان التخلّف البشري، والنمو العقلي والتجرّد من المشاعر والأمن وانعدام الأمان، أغادر منزلي ليلتقفني هذا الكاتب، وأمنياتي كلّها أن يغوص في عالم النوم قبل أن يبدأ الكتابة، أو أن يكتب بي مخطوطةٍ تاريخية عظيمة!.

فأنا المُحرم عن لذّات الدُّنيا باحثاً عن الحقيقة، باحثاً عن الحريّة، مُطالباً بحريّة معشر الأقلام باختيار الأسياد، إلَّا أنّهم مُتغطرسين في حياتهم امتلكوا إخوانهم من بني آدم، فباعوا واشتروا، .. أخذني بكلّ وحشية، فالنعاس بدأ يقارعه بقوّة، إلَّا أنّه يقاوم عبر رشف قطرات من القهوة السوداء، آه إنّه ينظر إليَّ وإلى طرفي المُدبب، لستُ أدري ماذا يدور في عقله الآن، أود لو أخبره بمواثيق الشرف التي كُتبت منذ آلاف العقود نحو مُجتمع مُتماسك جميل ينبذ الطائفية، إلَّا أنّه الآن مُنغمس في التفكير حول الكتابة عن أمرٍ لستُ أدري ما هوَ إلى الآن، وبعد تلك النظرة المؤلمة قرَّر إدخالي في تلك المقصلة التي تُدعى آلة تشذيب أطراف الأقلام!، «لماذا يا مُتعجرف، طرفي مُميّز وأنيق جدًّا»، والمقصلة تعتذر بشكل غريب، ولستُ أدري إلى أينَ المصير؟، ها أنا ذا أقطّع بشكل مُرعب فهوَ يقوم بغرسي بقوّة ناحية الآلة، والآلة تدور ببطء، وكلّما ضغط بشكل أكثر قوّة تدور هيَ مُجبرة لتقطّع أوصالي، وكأنّي سأغادر هذه الحياة دونَ أن يُدوَّن بيَ حرفٌ واحد!، .. أجدادي، آبائي، عُذرًا فمن امتلكني لم يكن عظيماً في أفعاله، بل كان وضيعاً بشكل لا يُطاق!، جِسمه يُشير عليه بالنوم وهوَ يُقاوم بطريقة غير مشروعة أبداً في عالمِ الكُتّاب، هذا الإنسان لا يفقه شيئاً، هوَ يكتب كآلة جزّ العُشب، متى ما أمر أن تدور يداه على الورقة تدور حتّى تمتلئ هذه الورقة بسواد كلماته، أمّي عُذراً لم أحقق حُلمكِ الكبير، في تحقيق العدالة والحريّة لمعشر الأقلام البسيط، .. توقّفت الآلة فجأة، جَرّني إلى الخارج وأنا بحالة يُرثى لها، فلا أطرافي أنيقة ولا طولي يُساعدني على إبقاء صدري بشكل مُريح بين راحة يديه، ولا عُمري الافتراضي طويل، كلّ ما تبقى ليَ هوَ بِضعُ حروف إذا ما قرّر الكتابة والاستعانة بقدراتي المكنونة، وأخذه البُكاء في هذه الثواني، وأمسكَ بي بأطراف أصابعه، وكأنّه ينقل كلّ مشاعره وكلّ أسراره إليَّ، حالة غريبة!، وقرّر البدء بالكتابة بعد أن أخذ نفساً عميقاً أحسست بألم عميق خرج مع عملية الزفير التي قام بها قبل وضع طرفي على صدر الورقة المليئة بالدموع والقطرات،

وصرخَ فجأة: ربّااااه ..

وكتب، «الحريّةُ هيَ كلّ ما أبحث عنه..، أحبّك أمي، حُسين».

وتركني فوق تلك الورقة، وركضَ ناحية الباب البعيد صارخاً: الله أكبر، الله أكبر..

التقيته بعد عشرةِ أيّام، كُنتُ بينَ طيّات الورقة التي كتب فيها رسالة بعدّة أقلام، وكتب خاتمتها بقدراتي، واكتشفت وقتها أنّ العالم أقسى مما كُنتُ أتصوّر، كان اللقاء مؤلماً، لقائي هذا كان مُختلفاً،

كان في تابوت،

وبرفقة توأمٍ له،

وأنا بعيدٌ جدًّا لا أقوى على التحرّك.

××

نُشرت هذه القصّة في مجلة البصائر تجدونها هُنا

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأيان حول “قلمٌ جريح – قصّة قصيرة”

  1. Naema Aly يقول:

    يا إلهي … ما أروعها من كلمات , و ما أبرعه من إحساس و تعبير , و ما أبلغه من أسلوب .

    أما عن القلم .. فعلاقتنا بالأقلاب و بالورقة البيضاء قد تكون أكبر و أصدق من علاقة القارئ بالكتاب
    لاننا حين نكتب نكون و القلم واحد ,, ليتصل القلم بقلوبنا و مشاعرنا و عقولنا عبر أيدينا ..
    فهو الصديق الذي لايزال يُرافقنا في طريق نفضي فيه ما بقلوبنا ..

    1. Hussain Almatrouk يقول:

      هيَ الكتابة، التي تقودنا للجنون في كثير من الأحيان ..
      موفقين

ضع تعقيباً ..