خواطري

وسمعت النداء

دقّت أجراس الحُزن، وقُرعت أبواب البُكاء، والسماء سترعد وتغرس في ضلوع الأرض دماً رُفِعَ إلى السماء، لتمتلئ الثقوب، وتثور البحار بما فيها، وينحب (البوم) الوفيّ، وننادي جميعاً ذلك النداء المُقدّس .. (لبيكَ يا حُسين).

قبل أعوام، انطلقت باحثاً ومُتسائلاً، ومنذ تلك اللحظة وجدت لذّة لا مثيل لها، إنها لذّة البحث عن الحقيقة، لم أكن أفقه كم هيَ ثمينة اللحظات التي نقضيها دون أن نصنع شيء، إنها لحظات التأمل والتفكير، إنها اللحظات التي نُشاهد فيها كلّ ما لا يُرى!، هُناك في تلك الثواني المجنونة التي نشعر بأنّها فارغة إلا أنّها مليئة!، وجدت سِحر الجنون بسيّد الشُهداء الإمام الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد أخبرني صديقي العزيز أنّ الحُسين هوَ (سفينة النجاة، ومصباح الهُدى) وكُنت أشعر أنّي أبصر الظلام قبل انطلاق شرارة البحث عن النور، لهذا حاولت الالتحاق بهذه السفينة، عليّ أتذوّق شيئاً من السعادة والراحة النفسية التي ينشدها البشر جميعاً.

هذه السفينة فيها من القوانين ما فيها، فيها من الحُريّات ما فيها، في أحد اللحظات أنصتنا لتلك الكلمات القادمة من الماضي لتُعلّمنا بأن الحياة (جهاد)، والجنّة فيها من الدرجات التي لا تأتي إلا باستحقاق، كلمات لاتزال تدوّي في كلّ حين، إنّه حق الاختيار لكنّه هذه المَرّة أعطي في الظلام (هذا الّليلُ قد غشيّكم فاتّخذوه جَمَلا) لمجموعة من البشر استخدمت هذا الحق بطُرق مختلفة، هناك أيضاً كانت لحظة صفاء ونقاء مع الروح، والاختيار كان سهلاً، إلا أنّ البعض اختار العَمي!، وأصبح شعورهم كمقبرة قديمة مُقفرة لا أخيار في أرضها!، رغم وجود النور!، إلا أنّ هذا الأمر لم يكن كافياً لهم، فالحُب الخالص الذي لا تشوبه شائبه هوَ ذلك الحُب المليء بالمعرفة والعِلم والشوق، هوَ ذلك النبع الذي لا ينضب، وغالباً ما يقودنا هذا الحُب المُشبّع بالمعرفة إلى التضحية، ومن دونَ هذه المعرفة فإننا لن نتمكن من التسليم، ومن قوانين هذه السفينة التي شاهدتها أنّك ما إن تصعد على متنها فقلبك سيخشغ ويبكي دون قيود!، فإن كُنت ممن لا يبكون لرؤية المصائب، فإنّك من مَن خُتم على قلوبهم بأقفال من ذنوب!، فحاول ولا تيأس، لن تُنزَل من هذه السفينة، قلبك الآن هوَ الهدف الذي يجب أن يلين ويخشع، فقط أغمض عينيك وشاهد تلك الأشلاء المرمية في صحراء كربلاء، تلك القطع المعجونة بحوافر الخيل، وانظر تحت الرمال، قناع سيدّة عظيمة القدر سُلب هَا هُنا، أما يبكيك هذا؟ وانظر إلى آثار أقدام طفل هُناك .. دمعتك ليست غالية هُنا صدّقني، اذرفها، لتكون أغلى ما تملك.

وعاهدت نفسي أن أبقى في هذه السفينة أبداً، وأن أشتري بقائي بها بثمن (روحي) التي نذرتها لاستخلاص هذه الروح التعبة من مستقنع الخطيئة إلى أرض الصدق، تلك الأرض التي وقف فيها إمامي الحُسين (عليه السلام) ونادى (ألا من ناصرٍ ينصرنا؟!)، فهل سيخذله البشر بعد أن قدّم دمه لحفظ راية الإسلام؟.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “وسمعت النداء”

ضع تعقيباً ..