خواطري

وجاء من كربلاء

“وجاء من كربلاء حسينٌ (عليه السلام) محزوز الوريد ليهدي النور للقوم الضالين”

 وانفجرت رائحة الدّم، وتخطّت حاجز الحياة! إنها مركونةٌ في الشفق الأحمر، لتكون الشاهد الأبدي على قتل المسلمين لابن بنت نبيهّم!، ذلك الابن العظيم الذي عربدت السيوف على جسده الطاهر، واعتلته الخيول وصار ميداناً لكل حجر ومَدر، تباً لكِ يا أمّة جاهلة.

دعوني أخبركم حكاية مفادها أنّ الحُسين (عليه السلام) فيها نُحر ورُضّت أضلاعه، وأخته زينب (عليها السلام) سُبيت إلى الشام، فأنصتوا واجزعوا، واهربوا منّي إلى ساحات كربلاء لتطبّبوا الثغرات التي أحدثتها السهام في جسده المهشّم، تلك الحكاية التي لن يكتُب مثلها الكُتّاب مُجتمعين، تلك الحكاية التي نكتشف فيها في كلّ عام بُعدٌ رائع وراقي يمكننا تطبيقه في حياتنا، إنها إلهية، فالله عزّ وجلّ شاءَ أن يراه قتيلاً، وشاء القدير أن يراهُنّ سبايا، كم هيَ قاسية وشجية رواية طَف الحُسين (عليه السلام)، هي حادثة كانت فيصلاً ولاتزال، هيَ الخيط الأوضح بين الحقّ والباطل، بين الإيمان والكُفر، بس الحقيقة والخديعة، تجرّأ فيها العبيد على الأسياد، وتخطّى فيها الشيطان كلّ الحدود، ودقّت مزامير الفرح في قلوب الأعداء، فقط لتكشفهم أمام الكون الحزين.

غَرسَت في خاصرة الإسلام هذه الحكاية شجناً وألماً، لن يُقتلع أبداً، فما إن نتذكّر حكاياها حتّى نُطارد كلّ فرح شارد فينا، وننحره لتسيل دماه فتُبكينا، ونبيع كلّ ضحكة تُفلت من بين أيدينا بعُملة الدموع، ونرتدي الإحرام -أسود- ونوجّه القلوب إلى حجّ كربلاء -مُعجزة الحُسين (عليه السلام) الخالدة التيّ كانت أرضاً صحراوية مُقفرة، فصيّرها بدمه حضارة لا مثيل لها- ولكي نصل إليها فقط علينا باتبّاع العلامات، وعلامات كربلاء، أشلاء تناثرت لتُنير الطريق بدماها المُضاءة بُحبّ الحُسين (عليه السلام) وما إن نشعر بتلك الحالة الغريبة وهيَ تجتاح قلوبنا فسنعلم أننا وصلنا إلى حيث سيبقى سيّد الشهداء حيّاً إلى يوم يُحشرون، هُناك نقبّل الحجر الأحمر الحزين، ونعفّر عليه الجبين، ونسعى بين قلب عانق السهم المُثلث وعينٌ آخته، ونهرول ما بين الحُسين (عليه السلام) والعبّاس (عليه السلام) ونجزع إلى تلّ عانق السماء، حيث نشعر بالوجع وهوَ يُغطّي أجسامنا ويتّخذ من تقاطيع ملامحنا وطناً له.

وفي ظهيرة العاشر من شهر المُحرّم سنشعل الرؤوس دماً، وستُمدّد كل غيوم البُكاء لتنثر الدمع الساخن فوق أرض المشاعر، في عاشوراء رائحة الحُزن ليست جميلة، هيَ قاتلة، في عاشوراء نستجدي قطرة أمل، ونشعر بأنّ كِسْرَة خُبز الانتظار قاربت على الانتهاء، وتصطفّ العصافير لتتمرّغ في الدماء الساخنة وتحلّق وتصرخ (بئس الأمّة أنتم، قتلتم ابن بنت نبيّكم).

 ××

 عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد سيّد الشهداء وثأر الله الإمام الحُسين عليه السلام، ونسأل من الله عزّ وجلّ أن يعجّل في فرج وليّه صاحب العصر والزمان أرواحنا فداه.

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

ضع تعقيباً ..