خواطري

كربلاء المُقدّسة

وزِّعوا أرغفة الصمت، وأطبقوا العيون، ولتُطأطأ الرؤوس، فإني سأكتب عن كربلاء، بلا أقلام، بلا حروف بلا كلمات، إنها مشاعر وُلدت من رَحم عقلي، الذي أرشدني إلى حبّها العظيم، فكلّ خطواتي تقودني إلى أرضٍ تخلّدت لأنها احتضنت جسد الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وما إن أدخلها حتّى يخالط جسمي ذرّاتها الأبيّة، فأستنشق رائحة الدّم القاني الذي سُيّل على نهر الفُرات، كلّ زاوية فيها شاهدة على طُغيان عقل لم يتمكن من مضغ فكرة أن هذا الرجل -الحُسين- هوَ آخر حفيد لنبيّ آخر الزمان..!، والحقيقة التي تُضايق وعّاظ السلاطين وعبّاد الدنانير، أن العاطفة التي تسكن هذه المدينة أصبحت في قلب كلّ مؤمن، وأنّ الدم الذي تفجّر من قنينة (أمّ سلمة – عليها السلام) لا يزال يتفجّر في كل عام .. والقلوب كلّها ترنو إلى تلك البُقعة المُقدّسة.

لعُشاق كربلاء حُزن واحد، لكنّ أشكاله مُتعدّدة، يفتخرون بها لأنّها حطّمت رغبة المُنافقين بتدمير روح الإسلام، لا يمكن لمُحبّيها أن يتنصّلوا منها فهي البُقعة الصحراوية التي صيّرها الحُسين (عليه السلام) مدينة كربلاء المُقدّسة، ذُخِرَت لأجله، لينتصر دمه على سيوف الكُفر، ليَرفع من قيمة التضحية إلى قمّتها، فلا نجاح بلا تضحية، ولا إسلام بلا تضحية، ضحّى فيها بعياله، بأهله، بدمه .. هوَ الذي ربط كربلاء بنا، وحقّ لنا الافتخار بأننا من عُشّاقها، ففيها تعرّى أهل الكُفر أمام النور، هيَ المدينة التي تؤدي كلّ الطرق إليها، ففيها مفترق الطُرق فإمّا أن نكون في جيش الحَق مع الحُسين (عليه السلام) أو في جيش الضلال مع يزيد، كلّ يختار طريقه، ويخلع القناع، فالأقنعة تُكسّر وتُحطّم وتبقى أرواحنا التي تُقرر، في أي طرَفٍ نكون.

قد يقول قائل أنّها موطن الذل والانكسار، ففيها قُتل ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله)، لكنّي أقول إنها موطن العز والفَخر، ففيها أهدى عليّ بن الحسين (عليه السلام) روحه فداءً لسلامة أبيه، وأهدى العبّاس بن علي (عليه السلام) روحه فداءً لأطفال فتّ شفاههم العطش، في كلّ رُكنٍ منها ملحمة خالدة لن تأفل، فالشمس لا تُغطيها الثياب، من كربلاء نستلهم الثورة ضد الظلم، من كربلاء نستلهم التضحية والإباء، من كربلاء نستلهم الحُب والإخاء، قداستها تمنعنا أن نسقط في وحل الشتيمة، قداستها تمنعنا من الرّد على الجُهلاء والدخول في معترك الجِدال، كربلاء أنتِ رمزُ الأحرار.

كلّ الحروف والكلمات لا يمكنها أن تختزل (كربلاء) فهي ساحة الحَق المُطلق في مواجهة الباطل الغارق في وحل الخداع والتدليس والكذب، لا تقلقوا فكربلاء مُقدّسة من قبل أن يعرف الإنسان مسكة القلم، وكربلاء محفوظة بحافظ البيت العتيق، وحُرمتها تستمدّها من حُرمة مرقد النَبيّ (صلى الله عليه وآله) في المدينة المنوّرة.

السلامُ عليكَ يا سيّد الشهداء، أيها الساكن كربلاء، السلامُ على الحُسين ..

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

‏3 رأي حول “كربلاء المُقدّسة”

  1. رعاها الله يقول:

    كربلاء عز وإباء ….
    أحسنتم دومتم أقلام ومحبره لخدمة سيد الشهداء ,,

    1. Hussain Almatrouk يقول:

      بدعاؤكم نستمر ..
      شكراً ..

  2. AL_MATAM يقول:

    السلام عليكم ورحمة الله

    ثبتنا الله وإياكم على نهج أهل البيت وجعلك الله من الناصحين المصلحين الصالحين للإسلام والمجتمع

    المأتم

ضع تعقيباً ..