خواطري

حضارة علي

كعادتها تهرب منّي عندما أحتاجها هذه المُسمّاة حروف، وأيّ حروف تأتي إليّ في هذا الليل المُستعِد لأقسى لحظات التاريخ، في مثل هذا الليل كان الكون يستعد ويترقّب، فرائحة المِحراب الفوّاحة لم تعد كما هيَ، والأرض تئنّ، فالعدالة سيُرفع قسم كبيرٌ منها، ولن يتبقّى ما يكفي في قلوب البشر!، والزمن يترقّب الساعة الأولى من البُكاء والنحيب، فراية بَني هاشم العالية المُتمثّلة في (عليّ بن أبي طالب – عليه السلام) ستُلحد بعد بضع ليال.

أبتاه، أنتَ عالمُنا الأجمل، أنتَ وطن أرواحنا الساكنة في منفى أجسادنا!، نأوي إليكَ في كلّ حين، ننقشُ أنفاساً من العشق فوق صدر التُراب يا سيّد التُراب، إليكَ أكتب وأنا كهلُ الحروف، عقيم الأفكار، ساعدني كي أكتبني فوق جدارك الأبهر، أوردتي اشتاقت مُرورك الكريم أبتاه، أستحلفك بضلع أمّي الزهراء (عليها السلام) إلا ما أمسكتَ بيدي .. أبتاه إنّ طعم الحُزن مُتعِب، مُهلك، يقود سفينة الأوجاع في بحار الانتظار والمرفأ المُخبّأ، قُدني إليه سيّدي، فالعَطشُ يُهاجمني بين الحين والآخر أنتظر كأساً من حنانك الفيّاض الممزوج بالكوثر العظيم، لكنّ التساؤل الذي يغتالُني بين الحين والآخر، لِمَ لمْ يكن التاريخ أقلّ إيلاماً، وأقلّ قتلاً وارهاباً؟.

في أروقة الكوفّة كان أمير المؤمنين وسيّد الساجدين وليث بدر وحُنين الصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- يطبع آخر العلامات من قدمه في هذه المدينة، فبعد لحظات ستخضّب شيبته بالدماء، وتسقط دولة بني هاشم وتعيث بني أميّة في الأرض وتعبث بتاريخ الأمّة العُظمى، إنها الليلة التي قال فيها هي، هي والله الليلة التي وعدنيها حبيبي رسول الله“، هو الحاكم الإسلامي العظيم الذي أفطر في آخر حياته بعد يوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك بالخبز والملح، هوَ الحاكم الذي كان يتوق للقاء الباري فكانت حروفه تتعطّر بـ “اللهم بارك لنا في لقائك” بعد دقائق من تاريخ الأمّة تصيح الإوَز وتتوقّف اللحظات وينطق علياً “صوائحٌ تتبعها نوائح” ولن تقدر الكائنات أن توقف ارتحاله، فهوَ الذي قرر وهوَ الذي ابتهل طلباً للرحيل، هوَ ليس كأيّهم، هوَ عظيمٌ لا يقارن بالعُظماء.

ونبتهل نحن بمرقد العشّاق، والنبض لا ينام، والمشاعر جيّاشة مليئة بالدموع نبحث عن حضارة قديمة جديدة، فاليوم الخبزُ لا يوزّع بالتساوي، أصبحنا نتسوّل حتّى الحرف، وكلّنا نعلم بأننا لن نتسوّل في دولة تنهل معالمها من حضارة عليّ، وسيرتد صدى الابتهال ولن تضيع سُدى حروف كُتبت رغبة وبحثاً عن تلك الحضارة الممهورة باسم رسول الله الأعظم (مُحمّد بن عبدالله) صلوات الله عليه.

من يغرس في قلبي دمعة تُعينني، وأغدق عليه بالهدايا والعطايا مما أهداني ربّي؟

نُشرت بواسطة حسين مكي المتروك

مُجرّد إنسان، كاتب وروائي ومدّون ومُصمم غرافيكس، ومُهتم بآخر أخبار التكنولوجيا وكرة القدم، ومُهتم بالشأن الشبابي وسبل تطويره

رأي واحد حول “حضارة علي”

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجلّ فرجهم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بعد عليٍ..لم يشرق على الكون وجه صباح..
    وأقسى اليتمّ أن تكون يتيم عليّ..
    فمن هذا المساء يمسح على رأس يُتمنا؟
    اللهمّ عجلّ فرج إمام زماننا..
    بورك دمع مدادك الموالي أستاذي الكريم..
    آجرك الله..ونسألكم الدعاء

ضع تعقيباً ..